人民网 2017:11:15.10:39:15
الأخبار الأخيرة

الثقافة الصينية: الخصائص، التغيرات والمستقبل

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/  2017:11:11.12:47

    اطبع

غه تشاو قوانغ: مؤرخ وأستاذ بجامعة فودان

ترجمة: د. وليد عبدالله

ظلت الثقافة الصينية منذ مايزد عن القرن موضع نقاش دائم. لكن جزءا كبير من النقاش الدائر حول الثقافة الصينية، خاصة حول تعريف الثقافة الصينية، يعد ّ نقاشا فضفاضا، وأحيانا براقا لكنه يجافي الحقيقة الموضوعية. كما أن البعض حينما يتحدثون عن مواضيع تخص الثقافة الصينية، مثل "نشر الثقافة الصينية في العالم" أو "معاني الثقافة الصينية في العالم المعاصر"، غالبا مايُضيقون مفهوم الثقافة الصينية. فيحصرونها في ثقافة (قومية) الهان، ثم يحصرون ثقافة الهان في الثقافة الكونفوشيوسية، ثم يحصرون الأخيرة في الكونفوشيوسية الكلاسيكية. وهو مايخلق سوء فهم للثقافة الصينية.

لذلك، نظرا للتنوع العرقي الذي تتميز به الصين، وصعود مكانة الصين على الصعيد الدولي. نحتاج اليوم للنظر إلى الثقافة الصينية بروح عقلانية، تاريخية وواعية، وهذا من شأنه أن يعزز التفاهم والتبادل بين مختلف القوميات الصينية، وبين الثقافة الصينية وثقافات العالم.

لكن هذه الورقة ستركز على فهم ثقافة الهان، بصفتها المحور الرئيسي للثقافة الصينية، من خلال فهم الخصائص الأساسية المكونة لها. وهي الخصائص التي تُميز الثقافة الصينية عن سائر ثقافات العالم الأخرى، أو التي تبدو أكثر وضوحا في الثقافة الصينية من الثقافات الأخرى.

الخصائص الرئيسية للثقافة الصينية

رمز (هانزي) الإنسان في اللغة الصينية تطور من شكل الإنسان

أولا، التفكير من خلال الرموز

كما يعلم الجميع اليوم، أنه بإستثناء بعض الحالات القليلة في العالم اليوم، مثل كتابة دونغبا لدى قومية ناشي بالتبت. فإن جميع أنواع الكتابة التي تنطلق من الصورة قد إختفت من الحياة الحديثة. وتعدّ الرموز الصينية (الهانزي) شكل الكتابة الوحيد الذي مازالت تربطه علاقة مباشرة مع الكتابة التصويرية البدائية.

في الكتابة الصينية هناك رموز على شكل صور، مثل: الشمس (日)،الهلال\القمر(月)، الشجر\الخشب (木)، الماء (水)، النار (火)، الفم (口)، إلخ.

لكن هذه الرموز غير كافية، لذا أضيف إليها الإيحاء من خلال رموز أخرى لتكوين المعاني المركبة. مثلا إذا أضفنا هذ الرمز “爪”(والذي يعني :يكمش بأصابعه) إلى رمز الشجرة، يعطينا الكلمة التالية: “采”، والتي تعني يجني أو ينتقي.

الرمز المستعمل في اللغة الصينية للتعبير عن الإنسان “人”(ران)، هو رسم يشبه شكل الإنسان. وفي الصينية القديمة إذا إستعملنا مبدأ الإيحاء على "رمز الإنسان" من خلال إضافة "رمز الفم"، يمكن التعبير عن مشاعر مختلفة لدى الإنسان. فإذا كان فم الإنسان متجها إلى السماء "兄"، فإن ذلك يعني "الإحتفال"، وإذا أضفنا فمين “咒”فإن ذلك يعني "اللعنة". وإذا كان الفم متجها إلى الأمام “欠”، فذلك يعني "التثاؤب"، أما إذا كان الفم يتجه إلى الخلف "旡"، فهذا يعني "شعور الشبع بعد الأكل".

فالهانزي شيء فريد، وقد شكّلت العديد من خصائص الثقافة الصينية. واستعمالها أدى إلى تطور فنون الكتابة ونظم الشعر في الصين. وهذا النوع من الكتابة الذي يعتمد على وصف شكل الموجودات، لم ينقطع أبدا في الثقافة الصينية، ولديه تأثير كبير على طريقة التفكير والقراءة والكتابة عند الصينيين. بل شمل تأثيره كامل أرجاء شرق آسيا، وشكّل مايسمى بـ"ثقافة الهانزي".

ثانيا، أفكار كونفوشيوس عن "العائلة- الدولة"

500 شخص من عائلة واحدة يحتفلون بعيد الربيع في تشيجيانغ

تعتمد الثقافة الصينية نظاما معقدا في تحديد أسماء الشركاء في النسب. ويعود هذا التعقيد إلى الصرامة في الإعتماد على مسافة قرب وبعد رابطة الدم في تحديد علاقة النسب داخل العائلة، الأسرة أو العشيرة الواحدة. وهذا يتعلق بمبادئ الأخلاق الصينية ونظامها الهرمي. ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مبدأين:

أولا، الفرق بين "الداخل والخارج": تصنف العلاقة بين الأب والأم والزوج والزوجة على مبدأ "الداخل والخارج" (أو القريب والغريب)، فمسافة القرب والبعد لعائلة الزوجة وعائلة الزوج ليست نفسها. فالجدّ والجدّة من جانب الأم يصنّفان في جهة "الخارج"، والجدّ والجدّة من جانب الأب، يصنّفان في جهة "الداخل".

اما المبدأ الثاني، فهو البناء الهرمي للعائلة الصينية، حيث تُولي الثقافة الصينية أهمية كبيرة للتراتبية بين الإخوة من الكبير نحو الصغير، لحفظ المقامات دون خلط.

هذان المبدآن يظهران بشكل جلي أثناء مراسم العزاء. فمن جهة، تُعبر الملابس التي يرتديها كل شخص من العشيرة أثناء مراسم العزاء عن مسافة القرب والبعد بينه وبين المتوفي. ومن جهة ثانية، تجسد هذه الملابس وحدة وتضامن العائلة، الأسرة والعشيرة أثناء هذا الكرب.

وإذا توسعنا أكثر في مفهوم العائلة، الأسرة والعشيرة في الثقافة الصينية، يمكن أن نصل إلى مفهوم الدولة. وهذا المفهوم يختلف عن الدولة في الثقافة الغربية، فسواء كلمة" country" أو" state" ، لايحتويان على معنى "العائلة". أما في اللغة الصينية فيتكون مفهوم الدولة من مُصطلحين: " الدولة"+ "العائلة". ويمكن تغيير ترتيب الكلمتين، لكن المعنى يبقى نفسه. لأن الدولة في الثقافة الصينية تمثل "العائلة الكبيرة"، والعائلة تمثل"الدولة الصغيرة". لذلك فإن التراتبية العمودية "من الأعلى إلى الأسفل"، والتراتبية الأفقية "من الداخل إلى الخارج" شديدة الصرامة على مستوى الدولة أيضا. وقد تأسست نظريات كونفوشيوس على هذا الأساس.

ثالثا، عالم الإيمان: "ثلاثة أديان في واحد"

هناك مقولة شائعة في الثقافة الصينية تصف البنية الإيمانية والأخلاقية لدى الصينيين، تقول: "الكونفوشيوسية لإصلاح "العالم"، والبوذية لإصلاح الروح والطاوية لإصلاح البدن". وتعني أن الكونفوشيوسية تهتم بإدارة المجتمع، والبوذية تُعنى بتهذيب الروح، في حين تصلح الطاوية لعلاج البدن. وهو مايمثل مزيجا من هذه الأديان الثلاثة. وبالنظر من الزاوية التاريخية، لم يكن للبوذية والطاوية إطلاقية و قدسية في الثقافة الصينية. لذلك، نادرا مايشهد التاريخ الصيني جدالات أو حروبا دينية. وهذه إحدى الخصائص التي تميز الثقافة الصينية.

عناصر "اليين يانغ"

رابعا، العناصر الخمسة في "اليين يانغ"

تطرح فلسفة "اليين يانغ" تصورا لفهم طريقة عمل الكون والموجودات. من خلال 5 عناصر أساسية، هي: الماء والخشب والنار والتراب والمعدن. وتقوم على مبدأين أساسييْن. أولا، مبدأ التوالد والتكابح: المعدن يلد الماء، والماء يلد الخشب، والخشب يلد النار، والنار تلد التراب، والتراب يلد المعدن، وهذه دورة التوالد. أما دورة التكابح، فهي: المعدن يكبح الخشب، والخشب يكبح التراب، والتراب يكبح الماء، والماء يكبح النار، والنار تكبح المعدن.

أما المبدأ الثاني فيتمثل في إختراق "علاقة التوالد والتكابح" بين العناصر الخمسة لجميع الأشياء والكائنات، لتشكل منظومة تدور وفقها نواميس حياة الموجودات. ويعد ربط مختلف الموجودات داخل شبكة "اليين يانغ" الكبيرة، أساس معرفة وفهم الصينيين القدامى للكون. طبعا بات الناس يشككون في هذا التصور بعد دراستهم للعلوم، لكن في العصور القديمة، كان هذا أساس الصينيين في فهم العالم. وعلى هذا الأساس نشأت جملة من المعارف والتقنيات.

نظرية الدوائر في التصور الصيني القديم للعالم

خامسا، إختلاف التصور الصيني القديم للعالم عن بقية الأمم

كان هناك تصور لدى الصينيين القدامى بأن "السماء دائرية والأرض مربّعة". حيث تكون السماء مقبّبة مثل قبعة الفلاح الصيني، والأرض مربّعة مثل رقعة الويتشي (شبيهة برقة الشطرنج). أما مركز السماء، فكانوا يظنون بأنه في أقصى نقطة بالشمال. وبالنسبة لرصد الظواهر الفلكية، ترائى للصينين بأن السماء تدور والأرض ثابتة. أما عن مركز الأرض، فقد ظن الصينيون القدامى أن مدينة لوه يانغ هي مركز الأرض. وهذا يعود إلى أن تشكل هذا الطقم من الأفكار كان في حقبة تشو الشرقية، وحينها كانت مدينة لوه يانغ عاصمة الإمبراطورية.

ثم يُقسم هذا التصور الأرض إلى 5 دوائر تحيط بالمركز (عاصمة الإمبراطوية). تفصل بين كل دائرة 500 ميل. ومن ثمّ فإن قطر الأرض حسب هذا التصور يبلغ 5000 ميل.

خلقت هذه المركزية الجغرافية مركزية ثقافية أيضا، حيث نشأ مفهوم ثقافي يرى بأن سكان المركز هم الأكثر تحضرا، وكلّما ابتعدنا عن المركز قلّ مستوى التحضر. وعلى هذا الأساس تم تقسيم سكان الشمال والجنوب والشرق والغرب.

لقد ظهر مفهوم "الصيني والأجنبي" في وقت مبكر في تاريخ الصين. وهو يرى بأن الصينيون "متحضرون" في حين أن الأقاليم المجاورة "برابرة". لذا على المتحضر أن يعلّم البربري، ومن هنا نشأ "مفهوم العالم" لدى الصينين (天下)، والذي يعني حرفيا "ماتحت السماء"، وهو عالم متخيل ثمثل فيه الصين المركز.

مراسم "الولاء الإمبراطوري"

هذا التصور لم يتحول تدريجيا إلى مفهو ثقافي لديه بيئتة الانتروبولوجية والجغرافية فحسب، بل إنعكس كذلك على النظام السياسي، فظهر مايُعرف بـنظام" الولاء الإمبراطوري" . حيث تقوم الأقوام التي تنضوي تحت "العالم الصيني" سنويا، بتقديم الهدايا لإمبراطور الصين للحفاظ على علاقات الود وكسب رضاه.

هذه العناصر الخمسة تكون البنية التي قامت عليها الثقافة الصينية لقومية الهان. لكن يجب التأكيد أيضا، على أن الصين الحديثة هي خليط من القوميات، وحتى قومية الهان نفسها هي خليط عرقي وثقافي. حيث ظلت العديد من الأقوام الأجنبية تدخل الصين بإستمرار منذ حقبة أسرة تشينغ وهان، كما إستوعبت قومية الهان العديد من الأقوام الأخرى. فالثقافة الصينية هي ثقافة متعددة وليست ثقافية أحادية.


【1】【2】

صور ساخنة

أخبار ساخنة

روابط ذات العلاقة

arabic.people.cn@facebook arabic.people.cn@twitter
×