人民网 2017:11:15.10:40:15
الأخبار الأخيرة

الثقافة الصينية: الخصائص، التغيرات والمستقبل (2)

/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/  2017:11:11.12:47

    اطبع

تغير ثقافي غير مسبوق

هوشي، أبرز رموز "حركة الثقافة الجديدة" التي نادت بإعتماد العامية الصينية مكان الفصحى القديمة في النصف الأول من القرن العشرين

تاريخيا، كانت الصين دائما ما "تتغير داخل التقاليد"، في إطار منظومة ثقافة وتقاليد الهان. فسواء البوذية أوالأديان الثلاثة القديمة ( الزرادشتية، النيستورية، المانية)، أو الإسلام أو لاحقا المسيحية الكاثوليكية، كلها لم تمثل تحديا حقيقيا للمكانة المركزية لثقافة الهان في الصين.

لذلك كان التغيير يحدث من خلال "تعديل" أو "تأقلم" أو "إصلاح" داخل التقاليد. لكن وصولا إلى حقبة تشينغ المنشورية (آخر الأسر الحاكمة للصين)، ومع قدوم الأساطيل الحربية الغربية، وجدت الصين نفسها ملزمة على "التغيير خارج التقاليد"، وإختراق سور الثقافة القديمة. ومن ثم، بدأت الثقافة الصينية تواجه تحدّيات البقاء.

كانت الفترة الفاصلة بين 1895 و1919 أهم مرحلة في تغير الفكر والثقافة الصينية. وخلال هذه الفترة، يمكن ملاحظة العديد من التغيرات: مثلا الإمبراطور تحول إلى رئيس، إمبراطورية تشينغ المنشورية تحولت إلى جمهورية الصين (جمهورية القوميات الخمس) ؛ إلغاء نظام الإمتحانات الإمبراطوريه وتعويضه بالجامعات؛ تأسيس البرلمان والأحزاب السياسية؛ قصّ ضفيرة الشعر الطويلة وإرتداء البدلات الأجنبية؛ الإنحناء تحول إلى المصافحة اليدوية؛ تحرر المرأة، المساواة بين الجنسين؛ هدم الخرافة وعبادة العلم؛ فكّ القيود والخروج عن العائلة، وغيرها من المظاهر الأخرى.

إنقلبت التقاليد رأسا على عقب، وبات الصينيون يشعرون بالقلق والتوتر إزاء غزو القوى الأجنبية. وأصبح من الصعب ملاحظة تلك الثقة في النفس والسكينة اللتان كانتا سائدتان في الماضي. ولم تعد الأناقة والحلْم والروية أشياء مناسبة للعصر. وهكذا شهدت الخصائص الخمسة المميزة للثقافة الصينية تغيرات كبيرة.

أولا، حركة الثقافة الجديدة " 4 مايو" وإعتماد العاميّة: رغم أن الصينيين مازالوا يكتبون الهانزي إلى الآن، لكن اللغة الصينية شهدت تغيرا كبيرا. ولاشك في أن إستعمال العامية يعد قرارا صائبا، بإمكانه أن ينشر التعليم ويرفع المستوى الثقافي للشعب. غير أن هذا التغيير تسبّب في قطيعة بين الثقافة الجديدة والقديمة. فالفصحى القديمة كانت تمثّل لغة المثقفين، وتعبر على اللباقة والأدب والإحترام والثقافة.

أولا، تسبب إحلال اللغة العامية مكان الفصحى، في فقدان تراتبية الأناقة والشعبوية في التعبير، والفرق بين الذوق والمبتذل في اللغة. مثلا، فقدت كتابة الرسائل في الوقت الحالي الروح الثقافية التي كانت تميزها في الماضي.

ثانيا، أدمجت اللغة الصينية عددا كبيرا من المصطلحات الغربية الحديثة. ومن خلال ملاحظة هذه المصطلحات الجديدة داخل اللغة الصينية فحسب، يمكن للقارئ أن يعرف مدى عمق التغيير الذي شهدته الصين.

ثالثا، تبسيط كتابة اللغة الصينية في خمسينات القرن الماضي، باعد بين الكتابة الحالية والرموز الأصلية القديمة.

ورغم أن الرموز المبسطة تسهل مهمة التعلم، لكن إبتعاد الرمز عن "شكله" الأصلي، يجعله أكثر فأكثر شبيها بالرموز المجرّدة، في حين أن الكتابة القديمة كانت تحتوي على عملية تفكير وتعبير.

ثانيا، تغير المفاهيم المتعلقة بالعائلة: رغم أن التقاليد العائلية والتنظيمات الأسرية القديمة لم تعد موجودة سوى في الأرياف الصينية، وبعض أوساط المجتمع الصيني الحديث، لكن الصينيون مازالوا إلى الآن يُعلون من شأن العائلة وعلاقات القرابة وطاعة كبار السن. لكن حركة الحضرنة السريعة، وتصاغر حجم العائلة، والحركة السكانية قد أحدثت تغيرا كبيرا على العلاقات بين العائلة والمجتمع والدولة.

فقد إختفت العلاقات التضامنية بين الأقارب والجيران وأهل الحي والأسرة العريضة في الحياة الحديثة. لذا فإن النظريات الكونفوشيوسية حول علاقة العائلة بالدولة قد بدأت تفقد أسسها الإجتماعية تدريجيا.

ثالثا، تآكل البنية الإيمانية القديمة: مع تتالي الصدمات التي تعرضت لها الأفكار الكونفوشيوية من الفكر الغربي منذ أواخر حقبة تشينغ. باتت الأفكار الكونفوشيوسية شيئا فشيئا غير قادرة على تحمّل المهام الثقيلة للأيديولوجية السياسية. كما تراجعت البوذية والطاوية من العالم الروحي والمعرفي والإيماني بعد إخفاقها في الصمود أمام الفكر العلمي. وغدت الثقافة أكثر فأكثر علمانية ونظامية. وهو مامثّل أزمة عالم الإيمان القديم.

رابعا، عناصر اليين يانغ: مع إنتشار روح العلم والمنطق، باتت نظرية اليين يانغ غير قادرة على تفسير العالم بشكل كامل. وانحصر وجودها في الطب الصيني، الطالع (روح المكان) والمكملات الغذائية. في حين باتت تعيش في هامش منظومة المعارف الحديثة.

خامسا، تغير التصور الصيني للعالم: لم يؤدي الغزو الغربي للشرق في أواخر حقبة أسرة تشينغ، إلى تدمير التصور الصيني للعالم ونظام "الولاء الإمبراطوري" فحسب، بل أعاد تحديد علاقات الصين مع مختلف دول العالم. ولم يعد التصور القديم للكون والعالم واقعيا. وهذه التغيرات التي شهدتها الثقافة الصينية، عكست بأنها قد دخلت مرحلة إعادة معرفة وفهم وتجديد الذات.

الفرق بين "الثقافة" و"الحضارة"

يرى عالم الإجتماع الألماني نوربرت إلياس أن الثقافة هي الشيء الذي يجعل أمة ما تختلف عن أمة أخرى. فهي البُعد الذي يُعبر عن ذات الأمة وخصائصها، ولاتخضع لتصنيف الأعلى والأدنى.

أما "الحضارة، فهي البعد الذي يجعل الفوارق بين الأمم تتناقص، وتُعبر عن السلوكات والنجاحات العامة لدى البشرية. وبعبارة أخرى، إن "الثقافة" هي الخاصية التي تجعل الأمم مختلفة بعضها عن بعض، أما "الحضارة" فهي الرابط الذي يقرب بين الأمم.

من جهة ثانية، يُشير إلياس إلى أن الثقافة ليست شيئا يتم تعلمه بالضرورة. لأن الإنسان يمكنه الحصول على خصائصه الشخصية والروحية بشكل طبيعي من خلال الممارسة الحياتية. أم "الحضارة"، فهي شيء لايمكن الحصول عليه إلا بالتعلم. لذلك، ترتبط الحضارة دائما بـ "التربية"، "المعرفة"، "القواعد" وغيرها من الأشياء.

يمكن تشبيه الفرق بين "الثقافة" و"الحضارة" بما يلي: يمكننا دائما أن نأخذ الكرة ونلعب مثلما نشاء، لكن حينما ندخل ملعب كرة السلّة فلايمكننا أن نلمس الكرة بالقدمين. وفوق ملعب كرة القدم لايمكن لمس الكرة باليدين، فحينما يلعب عدد من الناس معا، تصبح هناك قواعد. فالثقافة هي ما يمنحك الحرية الكاملة في أن تُعبر عن ذاتك كما تشاء، أما الحضارة فتفرض عليك جملة من الحدود والقواعد.

إذا فهمنا "الحضارة" و"الثقافة" من هذه الزاوية، يمكننا ألا نخشى العولمة والنظام الحديث، ولانخشى على تآكل ثقافتنا. لأن المشكلة تكمن في كيفية حفاظنا على خصوصية ثقافتنا وتقاليدنا داخل حضارة وقواعد عامة.

هنا، عليّ أن أضيف أيضا، بأن كل ثقافات الأمم متعصبة لنفسها، وتُظهر مقاومة لـ "الحضارة " المختلفة. لكن أيضا، لا شك في أن الحضارة تنخر الثقافة بإستمرار، وعلينا أن نعترف بحقيقة أن "الحضارة" دائما ماتكون عند المتقدم، وتُظهر دائما ميلا للإستعمار والتوسع. من هنا، يمكننا القول بأن "الثقافة" تتعلق بالتقاليد، وهي ظاهرة خاصة، أما الحضارة فتتعلق بالمستقبل، وهي عامة ومشتركة. فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الظاهرتين؟

نحن اليوم، دائما مانتحدث عن خصائص الثقافة الصينية. لذا علينا التفكير في كيفية الحفاظ على خصوصية ثقافتنا وسط قواعد حضارية عامة. في ذات الوقت، كيف يمكن فهم عقلانية هذه الثقافة داخل التاريخ، وفي عصر الحضارة الحديثة.

مثلا في الوقت الذي نقبل فيه العلم ونعجب به، كيف يمكن أن نُبدي تعاطفا مع عناصر اليين يانغ الخمسة، وفهمها في إطارها التاريخي؟

وفي الوقت الذي نقبل فيه القانون والنظام العاميْن، كيف يمكن أن نفهم تاريخية الأخلاق العائلية والأسرية و"العائلة الدولة" ومعايير الفضيلة في الثقافة التقليدية.

وكيف يمكن أن نتعامل برفق مع الأديان القديمة، في الوقت الذي نقبل فيه الحضارة الحديثة؟ وكيف يمكن تَفهُّم التصور الصيني القديم للعالم، في الوقت الذي نقبل فيه الدولة الحديثة؟

بصفتي مؤرخ، أعتقد دائما أنه سواء تعلق الامر بالثقافة أو بالحضارة، علينا دائما أن ننظر إليهما داخل التاريخ، ونعترف بأن التاريخ متغير لاقرار له. وعلينا دائما أن نلتفت إلى الوراء للنظر إلى الثقافة، وننظر إلى المستقبل لنرى الحضارة. ونتعامل بتعاطف مع الإثنين.

(هذا المقال هو ورقة معالة لمحاضرة قدّمها غيه دجاو قوانغ في أواخر عام 2015 بمكتبة شنغهاي، تحت عنوان "ماهي الثقافة الصينية؟")


【1】【2】

صور ساخنة

أخبار ساخنة

روابط ذات العلاقة

arabic.people.cn@facebook arabic.people.cn@twitter
×