في أعماق الصحراء الشاسعة بدبي بالإمارات العربية المتحدة، يتلألأ "بحر أزرق" و"عباد شمس فضي" في تناسق بديع، ليبدو من الجو وكأنه مشهد مستقبلي يأسر الأبصار. إنه مشروع مجمع الطاقة الشمسية الحرارية والكهروضوئية للمرحلة الرابعة من حديقة محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي تم تشغيله بالتعاون بين الصين والإمارات، ويحتل المرتبة الأولى عالميا من حيث الحجم بين مشاريع الطاقة الشمسية المماثلة. وهذا الصرح الطاقي في قلب الصحراء ليس سوى نموذج حي على تزايد اهتمام دول الشرق الأوسط بالطاقة الجديدة الصينية واستمرار تعزيز استثماراتها في هذا القطاع.
في الشرق الأوسط، ثمّة العديد من مشاريع التعاون في مجال الطاقة الجديدة من هذا القبيل: فعلى شاطئ البحر الأحمر في مصر، تدور 77 توربينة هوائية ذكية من صنع صيني بفعالية، محققة رقمين قياسيين جديدين في القارة الإفريقية من حيث القدرة الفردية للتوربينة الواحدة وإجمالي القدرة المركبة. وفي مدينة البحر الأحمر الجديدة بالسعودية، أنشأت شركات صينية واحدا من أكبر أنظمة الطاقة النظيفة غير المرتبطة بالشبكة في العالم. ويُعد التعاون في مجال الطاقة أحد الركائز الأساسية للتعاون عالي الجودة بين الصين والدول العربية في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، وتبرز الطاقة الجديدة كمجال رئيسي يعزز أواصر التنمية المشتركة والتقارب الحضاري بين الجانبين.
إن التنمية الخضراء تمثل قيمة مشتركة تسعى إليها كل من الصين ودول الشرق الأوسط. وقد لفت انتباهي عبارة واردة في فيلم ترويجي لطيران الإمارات: "الخضرة هي رفاهية تُتقاسم". ففي الثقافة العربية، يحمل اللون الأخضر دلالات غنية بالحيوية والخصوبة والأمل والخير. وبالمثل، فإن الصين، بحضارتها العريقة التي تقوم على مبدأ "وحدة الإنسان مع الطبيعة" و"الإنسان يسير وفق قوانين الطبيعة"، لا يُعتبر اللون الأخضر مجرد مفهوم بيئي فحسب، بل هو جزء أصيل من هويتها الحضارية.
وفي الوقت الراهن، أصدرت العديد من دول الشرق الأوسط رؤى تنموية وطنية متعاقبة، جعلت من الطاقة الجديدة محورا مهما للتحول الاقتصادي وإعادة هيكلة مصادر الطاقة، وتسارع خطاها نحو التنمية الخضراء. وفي المقابل، تُعمّق الصين أسسها الخضراء للتنمية عالية الجودة، وتدعو إلى بناء "الحزام والطريق الأخضر"، وتُسهم في إثراء العالم بفضل أكبر وأسرع أنظمة الطاقة المتجددة نموا على مستوى العالم. وهذا التلاقي بين الإرث التاريخي والأهداف المعاصرة يجعل من التعاون في مجال الطاقة الجديدة خيارا حتميا للتوجه المتبادل بين الصين والدول العربية، ويشكل في الوقت نفسه تجسيدا حيا لبناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الجانبين في العصر الجديد.
تمثل التكنولوجيا المتطورة والإمدادات الموثوقة الركيزتين الأساسيتين للشركات الصينية في قطاع الطاقات المتجددة.
لم نكن نتوقع أن يصل عدد الطلبيات إلى هذا الحد، بل والأكثر من ذلك أن الطرف الآخر لم يطلب تخفيض الأسعار، بل طلب فقط الإسراع في الشحن".
هكذا وصفت شركة "تيريد" الصينية المتخصصة في قطاع الطاقات المتجددة ما وصفته بـ"المعضلة السعيدة" التي واجهتها مؤخرا. فمحطاتها الفرعية المسبقة التجهيز (بنوع الحاويات) تحظى بإقبال كبير في أسواق الشرق الأوسط: فالمشاريع التي كانت تستغرق من سنة ونصف إلى سنتين لاستكمال الأعمال الإنشائية، أصبحت بفضل التجميع المسبق في المصانع الصينية والشحن المعياري إلى الخارج، قابلة للتشغيل في أقل من ستة أشهر، مما رفع كفاءة البناء إلى عدة أضعاف.
إن سلامة سلسلة صناعة الطاقات المتجددة في الصين، واستقرار سلاسل التوريد، وقوة سلاسل الابتكار، وارتقاء سلاسل القيمة، كلها عناصر تشكل معا قدرة تنافسية يصعب استبدالها. ففي الوقت الراهن، تتجاوز حصة الصين العالمية في إنتاج كل من البولي سيليكون ورقائق السيليكون والخلايا الشمسية والوحدات الكهروضوئية 80%، وتحتل الشركات الصينية ستة مقاعد من بين أكبر عشرة مصنعين لتوربينات الرياح في العالم، بينما تبلغ حصة الصين من إنتاج بطاريات الطاقة أكثر من 60% عالميا، كما انخفضت تكلفة أنظمة بطاريات تخزين الطاقة بنسبة تقترب من 90% مقارنة بعام 2010. وهذا النظام الصناعي المتكامل هو الذي يمكن الصين من تلبية احتياجات دول الشرق الأوسط بفعالية من حيث المشاريع الضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومرافق تخزين الطاقة، وأنظمة الشبكات الصغيرة، مما يوفر لهذه الدول، التي تواجه ضغوطا في تحولها الطاقي، قدرا ثمينا من اليقين والأمان.
يُقدِّم النموذج الصيني مرجعا مهما لمعالجة المعضلة المزدوجة المتمثلة في أمن الطاقة والتحول الطاقي في آن واحد.
إن توجه دول الشرق الأوسط نحو تطوير الطاقات المتجددة ليس مجرد مواكبة للموضى، بل ينبع من حاجات داخلية عميقة. فالاعتماد على قطاع النفط والغاز وحده يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، كما أن توليد الكهرباء باستخدام الوقود الهيدروكربوني المحلي يستهلك موارد عالية القيمة، ويتزامن ذلك مع ارتفاع الطلب على الكهرباء بشكل مطرد، فضلا عن المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز. وكل هذه العوامل تجعل بناء نظام طاقي متنوع ومستقل ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
تُقدّم التجربة التنموية الصينية في هذا المجال مسارا واضحا يمكن الاستناد إليه. فمن واقع كان يوصف بـ"الافتقار إلى النفط والغاز"، انطلقت الصين لتصبح أكبر منتج للكهرباء في العالم، متمسكة دوما بسياسة الاعتماد على الذات في تأمين احتياجاتها الطاقية، والموازنة بين التنمية والأمن، والتحول وضمان الإمدادات. وتبلغ حصة الصين من الإنتاج العالمي للطاقة خمس الإنتاج العالمي، مع الحفاظ على معدل اكتفاء ذاتي يتجاوز 84%، لتصبح أول دولة في العالم يتجاوز استهلاكها السنوي للكهرباء 10 تريليونات كيلوواط/ساعة. وما تستطيع دول الشرق الأوسط أن تستفيد منه لا يقتصر على المعدات والتقنيات المتكاملة، بل يمتد ليشمل المنطق التنظيمي القائم على: توجيه التحول عبر التخطيط الاستراتيجي، ودعم المشاريع الضخمة بسلاسل صناعية كاملة، والتوفيق بين ضمان الإمدادات والحد من الانبعاثات من خلال نهج منهجي متكامل.
إن استمرار دول الشرق الأوسط في تعزيز استثماراتها في قطاع الطاقات المتجددة الصينية لا يعكس تقديرا للتجربة الصينية الناجحة في التحديث وقيمتها النموذجية فحسب، بل أيضا ثقة في حرص الصين على فتح آفاق مستقبل أخضر بالتعاون مع جميع الأطراف. ومع توطيد التعاون الصيني-العربي وتعمقه باستمرار، ستصبح الطاقات المتجددة ذلك الرابط الأخضر الذي يضفي مزيدا من الزخم المستدام على التنمية المشتركة بين الجانبين، ويسطر فصولا جديدة وأكثر إشراقا من التعاون المثمر.



ثلاثة أكواب تجعلك تكتشف مدينة قوييانغ
فن الصنوبر... رسالة فنانة من آرشان لحماية الغابات
مشهد مذهل لعبور الظباء التبتية في شيتسانغ خلال الهجرة الموسمية
بحيرة يونتشنغ تتلألأ بالألوان: ازدهار الطحالب يرسم مشهداً طبيعياً فريداً
عيد دوانوو: حكاية مهرجان قوارب التنين عبر فن الرسم بالرمال
الدمية الصينية "لابوبو" تخطف الأضواء في افتتاح كأس العالم
أضخم عجلة في بكين ستُفتتح نهاية شهر يونيو
الصين توسع التشغيل التجاري للسيارات الطائرة