الصفحة الرئيسية >> العلوم والتكنولوجيا

نظام "بيدو" للملاحة يدفع عجلة الزراعة الذكية في الصين (3)

نظام
في بلدة مينله التابعة لمدينة تشانغيه بمقاطعة قانسو، تنهمك العديد من آلات البذر المجهزة بنظام الملاحة "بيدو" في عمليات زراعة الذرة الرفيعة. تصوير وانغ شياوجينغ

12 مايو 2026/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ في إحدى المزارع العائلية بمدينة هايآن في مقاطعة جيانغسو، جنوبي الصين، تتولى طائرات مسيّرة مخصصة لحماية المحاصيل، ومزوّدة بنظام "بيدو" للملاحة عبر الأقمار الصناعية، إدارة ورعاية أكثر من ألف مو من حقول القمح، أي ما يعادل نحو 67 هكتارا.

وبمجرد نقرة واحدة على تطبيق للهاتف المحمول، تنطلق الطائرة تلقائيا وفق مسار طيران مُحدد مسبقا، لتقوم برش المبيدات السائلة بشكل منتظم ومتساو فوق شتلات القمح.

وفي الوقت نفسه، بمدينة داندونغ في مقاطعة لياونينغ، شمالي الصين، لا يحتاج المزارعون سوى إلى إدخال إحداثيات الحقول ومعايير التشغيل عبر جهاز لوحي، لتتولى الآلات الزراعية تخطيط مسارها وتنفيذ المهام ذاتيا باستخدام تقنيات القيادة الذكية.

وخلال السنوات الأخيرة، اندمجت تقنية "بيدو" للملاحة عبر الأقمار الصناعية في مختلف مراحل الدورة الزراعية، بدءا من إعداد التربة والزراعة، مرورا بالإدارة والرعاية، وصولا إلى الحصاد والنقل، مما أسهم في رفع مستوى الذكاء والكفاءة الإنتاجية للقطاع الزراعي الصيني. ومن خلال مجموعة متنوعة من الأجهزة والتطبيقات الحديثة، أصبح نظام "بيدو" بمثابة "العقل الذكي" و"معيار الدقة" للزراعة الحديثة.

ووفقا لخبراء من الجمعية الصينية للملاحة وتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية، فإن تطبيقات "بيدو" في القطاع الزراعي تشهد حاليا تطورا متسارعا نحو مستويات أعلى من الذكاء والدقة، بعدما انتقلت من مجرد خدمات ملاحة بسيطة إلى دعم العمليات الذكية على امتداد سلسلة القيمة الزراعية بأكملها، بما يعزز كفاءة الإنتاج والاستغلال الأمثل للموارد.

ويعتمد تطور نموذج "بيدو + الزراعة الذكية" بدرجة كبيرة على تطور البنية التحتية الجديدة. ففي مجالات مثل التشغيل الذاتي للالات الزراعية، وحرث التربة، والبذر المنتظم، والتسميد المتغير حسب الحاجة، نجحت تقنية تحديد المواقع بدقة السنتيمتر في معالجة مشكلات زراعية تقليدية طالما لخّصها المثل القديم: "إذا انحرف خط المحراث بوصة، نقص المحصول حفنة".

ولكن كيف تتحقق هذه الدقة العالية؟

يوضح يانغ تشانغبينغ، المدير العام لقسم القيادة الذكية في شركة "سينان للملاحة"، أن الشركة نشرت أكثر من 5 آلاف محطة مرجعية أرضية لتعزيز الإشارات في أنحاء البلاد، بهدف توفير خدمات تصحيح فوري عالية الدقة للآلات الزراعية. ويضيف أن الآلات المزودة بوحدات ذكية داعمة لـ"بيدو" لا تكتفي باستقبال إشارات الأقمار الصناعية، بل تتلقى أيضا بيانات تفاضلية دقيقة من أقرب المحطات الأرضية. ومن خلال عمليات حسابية وتصحيحية سريعة، يحصل النظام على بيانات تحديد مواقع لحظية بدقة تصل إلى مستوى السنتيمتر، ما يمكّن الآلات الزراعية من التحرك والعمل بدقة عالية داخل الحقول.

كما تتيح خدمات الأقمار الصناعية، التي شهدت تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، إلى استقبال بيانات التصحيح مباشرة من الأقمار الصناعية، وهو ما يعالج مشكلة ضعف إشارات المحطات الأرضية في المناطق النائية، ويمكّن الآلات الزراعية من تنفيذ عمليات دقيقة على نطاق أوسع.

وفي هذا السياق، أوضح تشين جينبي، الرئيس التنفيذي لشركة "تشيان شين سي" لخدمات المواقع، أن تقنية التعزيز الفضائي تسمح بتحقيق دقة تحديد مواقع على مستوى السنتيمتر خلال دقائق معدودة، حتى في المناطق البعيدة مثل شمال شرق الصين وشينجيانغ، مع دقة تتجاوز 2.5 سنتيمتر أثناء عمليات السير المستقيم أو الدوران، بما يضمن تنفيذ عمليات الحراثة وتسوية التربة بدقة متناهية.

ولا يقتصر دور "بيدو" على تحديد المواقع فحسب، بل يتكامل أيضا مع تقنيات الاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، لتزويد الحقول الزراعية بـ"عيون ذكية" تسهم في الانتقال من الإدارة التقليدية الواسعة إلى الإدارة الدقيقة والمتخصصة.

فعلى سبيل المثال، تتيح الطائرات المسيّرة المدعومة بنظام "بيدو" إجراء دوريات استشعار متعددة الأطياف، بما يساعد على اكتشاف الفروق في نمو المحاصيل والتنبؤ بمناطق انتشار الآفات والأمراض، وبالتالي معالجة المشكلات في مراحل مبكرة.

كما تُستخدم تقنيات التعلم الآلي والرؤية الحاسوبية لمراقبة جودة زراعة شتلات الأرز، والكشف عن الشتلات المفقودة أثناء الزراعة، مع رفع البيانات فوريا إلى منصات سحابية لدعم عمليات إعادة الزراعة ومراقبة الجودة.

وأشار يانغ تشانغبينغ إلى أن العمل جار أيضا على تطوير مفهوم "الخرائط الرقمية" المعتمدة على نظام "بيدو"، والتي تتيح مشاركة البيانات الأساسية بين مختلف أنواع الآلات الزراعية. فعلى سبيل المثال، يمكن لمعدات إزالة الأعشاب أن تعمل وفق المسارات الدقيقة التي سجلتها مسبقا آلات زراعة الأرز، مما يرفع كفاءة إزالة الأعشاب. وخلال موسم الحصاد، تستطيع الحصادات المدمجة تنفيذ عمليات الحصاد تلقائيا اعتمادا على هذه المسارات المسجلة مسبقا، بما يسهم في خفض تكاليف العمالة بشكل أكبر.

ووفقا لإحصائيات صادرة عن الجمعية الصينية لأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية والخدمات القائمة على الموقع، فقد تجاوز العدد التراكمي للأجهزة والأنظمة الداعمة لتقنية "بيدو" في القطاع الزراعي 2.7 مليون جهاز على مستوى البلاد. ويعكس تحول الملاحة عبر الأقمار الصناعية إلى "أداة زراعية جديدة" حجم الدعم المنهجي الذي توفره منظومة الصناعة بأكملها.

وخلال السنوات الأخيرة، حققت الصين اختراقات متواصلة في مجالات تصنيع شرائح "بيدو" محليا، ودمج قدرات الملاحة والاتصالات والاستشعار، وتحسين الخوارزميات، ما مكّن صناعة "بيدو" من امتلاك قدرات إنتاجية متكاملة تمتد من الشرائح وحتى الأجهزة الطرفية، وهو ما وفر دعما قويا لتوسيع تطبيقات النظام على نطاق واسع.

ومن جهة أخرى، يعتمد الانتشار الواسع لنظام "بيدو" على التعاون الوثيق بين مختلف حلقات سلسلة الصناعة. وفي الوقت الراهن، تخضع أعداد كبيرة من الآلات الزراعية في الصين لعمليات تحديث ذكية تعتمد على هذه التقنية.

وفي هذا السياق، قالت وانغ ليينغ، مديرة قسم المعلومات في شركة وورلد غروب للمكنات الزراعية، إن دمج بيانات مواقع الآلات الزراعية المستندة إلى "بيدو" مع منصة إنترنت الأشياء الخاصة بالشركة يتيح توزيع قطع الغيار وفرق الصيانة بسرعة وكفاءة على مستوى البلاد، بما يضمن الاستجابة الفورية خلال مواسم الذروة مثل الحراثة الربيعية والحصاد الخريفي.

صور ساخنة