الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

فهم الاقتصاد الصيني (14): نموذج التنمية الصيني، نجح في تجاوز معضلة " أثر الامتصاص" في التجارب الغربية

عند مناقشة التنمية الإقليمية المنسقة في الصين، يسود في بعض الخطابات الغربية رأيٌ مفاده أن التفاوتات التنموية ترجع إلى ما يُعرف بـ"تأثير الامتصاص"، الناتج عن نمو المناطق الشرقية أو مدن "المستوى الأول". ووفق هذه الرؤية، يؤدي تركّز الموارد في المناطق المتقدمة إلى إضعاف تنمية المناطق الوسطى والغربية وخلق اختلالات إقليمية. غير أن هذه السردية تبتعد عن المنطق الفعلي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في الصين، كما تعجز عن تفسير الواقع المتشكل اليوم في مختلف أنحاء البلاد.

وتعود هذه الآراء، إلى الربط بين اختلالات التنمية الإقليمية و"تأثير الامتصاص" في تجارب التنمية الغربية. فقد شهدت دول غربية عديدة هذا التأثير، الذي لم يؤدِ فقط إلى تفاوتات إقليمية، بل تسبب أيضا في ظهور "الأحياء العشوائية" نتيجة عجز المدن المركزية عن استيعاب تدفقات السكان والموارد. وحتى اليوم، لا تزال التفاوتات الإقليمية وأشكال جديدة من البيئات الشبيهة بالأحياء العشوائية قائمة بدرجات متفاوتة في عدد من الدول الغربية.

ومنذ انطلاق سياسة "الإصلاح والانفتاح" في الصين، ولا سيما خلال المراحل الأولى للتنمية الاقتصادية الإقليمية، ظهرت بالفعل ظاهرة انتقال أعداد كبيرة من العمالة إلى المناطق الأكثر تطورا اقتصاديا. غير أن هذه الحركة عكست آنذاك عملية إعادة توزيع لعوامل الإنتاج وفق مبدأ "الميزة النسبية".

أما اليوم، فقد أصبح "تأثير الانتشار" المتمثل في انتقال النمو خارج المناطق المتقدمة، و"تأثير التغذية الراجعة" القائم على إعادة استثمار المناطق المتقدمة في نظيراتها الأقل نموا، هما الاتجاهين السائدين. ولم تعد التنمية الإقليمية قائمة على منافسة "صفرية المحصلة"، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التعاون العميق بين الأقاليم المختلفة.

وعلى صعيد معدلات النمو، حافظت المناطق الوسطى والغربية في الصين لسنوات متتالية على وتيرة نمو أسرع من المناطق الشرقية، في حين أظهرت منطقة الشمال الشرقي مؤشرات استقرار وتعاف تدريجي. وقد أرست هذه الاتجاهات أساسا لتقليص الفجوات الإقليمية خلال فترة "الخطة الخمسية الخامسة عشرة".

وفي الوقت نفسه، شهدت حركة الهجرة الداخلية تحولا لافتا. إذ بدأ الاتجاه التقليدي المعروف بـ"طيران الطواويس نحو الجنوب الشرقي" يتراجع لصالح عودة متزايدة للمهاجرين إلى المناطق الوسطى والغربية بحثا عن فرص العمل أو تأسيس المشاريع. وهذه التحولات تحديدا هي ما تعجز "نظرية الامتصاص" عن تفسيره.

أما سبب اختلاف مسار التنمية الإقليمية في الصين عن نظيره الغربي، فيكمن إلى حد كبير في الجمع بين "السوق الفعالة" و"الحكومة الاستباقية"، بدلا من الاعتماد المفرط على آليات السوق وحدها. فمن خلال تنفيذ استراتيجيات مثل "تنمية الغرب الكبيرة"، و"النهوض الشامل بالشمال الشرقي"، و"التسريع بصعود المنطقة الوسطى"، و"التحديث المتسارع للمنطقة الشرقية"، وضعت الصين سلسلة من السياسات الهادفة إلى تحقيق نمو إقليمي أكثر توازنا. ونتيجة لذلك، شهدت السنوات الأخيرة استقرار الفجوة التنموية بين الشرق والغرب، وتراجع التباينات بين الشمال والجنوب، مع بروز نتائج ملموسة لاستراتيجية التنمية الإقليمية المنسقة.

وعلى سبيل المثال، لم تقتصر استراتيجيات التنمية المنسقة، مثل مشاريع "بكين-تيانجين-خبي"، و"دلتا نهر اليانغتسي"، و"منطقة الخليج الكبرى" على تعزيز النمو داخل هذه المناطق فحسب، بل امتد أثرها إلى المناطق المجاورة أيضا. كما أتاح إنشاء آليات طويلة الأمد للتعاون والمساعدة العابرة للمناطق فرصا واسعة للمناطق الوسطى والغربية للاستفادة من الموارد والخبرات ونماذج الحوكمة الجديدة. وظهرت كذلك آليات مبتكرة، مثل "اقتصادات التعاون بين المناطق غير المتجاورة" و"المناطق الصناعية المشتركة"، التي ساعدت في إزالة الحواجز الإدارية وتحسين توزيع عوامل الإنتاج بين المناطق المختلفة.

وبالإضافة إلى الاستفادة من تأثيري "التسرب الهبوطي" و"الانتشار" الناتجين عن نمو المناطق الشرقية ومدن "المستوى الأول"، توظف الصين التقنيات الرقمية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، للمساعدة في تضييق الفجوات التنموية. فهذه التقنيات، بطبيعتها الشاملة، قادرة على تجاوز القيود الجغرافية والمكانية، وخلق فرص جديدة للتوظيف وريادة الأعمال، لا سيما لسكان المناطق الريفية والأشخاص ذوي الإعاقة. كما أسهمت مبادرات مثل مشروع "بيانات الشرق، حوسبة الغرب" في توسيع نطاق الوصول إلى التقنيات الحديثة، بما وفر زخما إضافيا لتحقيق تنمية إقليمية أكثر توازنا.

وفي الواقع، لم تعد التنمية الإقليمية في الصين قائمة على التنافس للاستحواذ على الموارد أو المشاريع أو الكفاءات، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التعاون العميق والتكامل في المزايا النسبية. فالعلاقة بين الأقاليم ليست علاقة "مكسب طرف مقابل خسارة طرف آخر"، بل علاقة تكامل ضمن إطار بناء سوق وطنية موحدة. فالمناطق الشرقية تمتلك مزايا في التكنولوجيا ورأس المال، بينما تتمتع المناطق الوسطى والغربية بإمكانات كبيرة من حيث الموارد الطبيعية والمساحات المتاحة. ومن خلال تقسيم العمل والتعاون، تستطيع كل منطقة تعزيز مزاياها الخاصة وتحديد دورها ضمن الإطار الوطني الأشمل. فبعضها يتحول إلى مراكز للابتكار، وبعضها يشكل قواعد صناعية، بينما تضطلع مناطق أخرى بحماية الأمن البيئي والغذائي. وفي النهاية، يهدف هذا النهج إلى تحقيق تأثير تآزري يدفع نحو تنمية وطنية أكثر جودة وتوازنا وتكافلا، ويوفر قاعدة راسخة لمسيرة التحديث الصيني.

وقد حدد "مخطط الخطة الخمسية الخامسة عشرة" الأهداف والمسارات اللازمة لتعزيز التنمية الإقليمية المنسقة خلال السنوات المقبلة. ومن خلال إطلاق المحركات الذاتية للنمو الإقليمي، يمكن لجميع الأطراف تعظيم آثار الانتشار والتدفق، بما يسهم في تحسين المشهد الاقتصادي الإقليمي وتعزيز التنمية المنسقة بصورة مستدامة.

صور ساخنة