الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

فهم الاقتصاد الصيني (13): هل تشكّل الشركات الصينية التي "تنطلق نحو العالمية" "تهديداً صناعياً" للاقتصادات المحلية؟

اعتاد بعض المراقبين النظر إلى الأسواق العالمية بعدسة جامدة تقوم على مبدأ 'المحصلة الصفرية"، الذي يفترض أن أي دخول لاعب جديد أو زيادة في المنافسة تضر بالضرورة بمصالح الأطراف القائمة. غير أن المبادئ الاقتصادية الأساسية أثبتت منذ زمن طويل أن العولمة الاقتصادية والتجارة الدولية المبنية على الميزة النسبية، إضافةً إلى الاستثمارات العابرة للحدود المدفوعة بتكامل عوامل الإنتاج، تعمل على تخصيص الموارد بأمثل صورة، بحيث يستفيد جميع المشاركين في السوق بشكل ملموس. وفي السنوات الأخيرة، تجاوزت الشركات الصينية مجرد تصدير المنتجات، لتوسيع قدراتها الإنتاجية وعلاماتها التجارية وسلاسل التوريد الخاصة بها، بل وحتى منظوماتها التجارية في الخارج، إذ تحولت من مجرد "بيع السلع عالمياً" إلى "ترسيخ جذورها عالمياً". ويُعد هذا التحول نتاجاً خالصاً لقوى السوق، كما أنه يعكس التخصيص الأمثل للموارد على نطاق عالمي. فتماماً كما تسعى الشركات رفيعة المستوى في أوروبا وأمريكا الشمالية غالباً إلى إعادة التموضع الاستراتيجي لسلاسلها الصناعية على الصعيد العالمي بمجرد بلوغها مرحلة معينة من التطور، فإن التوسع العالمي للشركات الصينية يحمل دلالات عقلانية وإيجابية لا تقل شأناً.

تُعد الصين الدولة الوحيدة التي تمتلك كافة الفئات الصناعية المُدرجة في التصنيف الصناعي للأمم المتحدة، وقد قدمت إسهامًا لا يمكن الاستغناء عنه في التنمية الاقتصادية العالمية واستقرار سلاسل الإنتاج والتوريد. كما أن الشركات الصينية العاملة دوليًا ساهمت في تعميم التكنولوجيا. وما يصفه بعض الأشخاص بـ "التهديد الصناعي" بشأن الشركات الصينية الناشئة في مجال التكنولوجيا، هو في الواقع عامل رئيسي في تعزيز انتشار الاستخدام العالمي للتقنيات المتقدمة مثل محطات الاتصال، والمكونات الكهروضوئية، والسيارات الكهربائية.

ساهمت الشركات الصينية العاملة دوليًا في جلب زيادات في التنمية الاقتصادية، وزخمة ارتقاء الصناعات المحلية، وتحسين مستوى معيشة السكان في الدول المضيفة. على سبيل المثال، استثمرت الشركات الصينية في بناء مصانع في جنوب شرق آسيا، مما أدى إلى تحديث متزامن لسلاسل الصناعة المحلية. وما تجلبه مشاركة الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية في إفريقيا، هو الطرق والكهرباء والقدرات التنموية المحلية. كما أنشأت مصانع للسيارات الكهربائية في أوروبا وشاركت في أبحاث وتطوير التكنولوجيا، مما منح الصناعات المحلية دفعة جديدة نحو التحول الصناعي. علاوة على ذلك، يشارك العديد من الشركات الصينية بعمق في المنافسة والتعاون العالمي، مما يدعم ترابط البنية التحتية العالمية وتطوير قطاع التصنيع والتجهيزات على مستوى عالمي.

ظاهرة جديرة بالتحليل هي أنه عند انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في أوائل القرن الحادي والعشرين، كانت الدول الغربية غالبًا ما ترحب بالمنتجات الاستهلاكية الصينية ذات التكلفة المنخفضة، معتبرةً إياها مساهمة في تخفيف الضغوط التضخمية العالمية. لكن لماذا بالكاد كان يُسمع عن اتهامات بأن الشركات الصينية تشكل “تهديدًا صناعيًا” عندما كانت تصدر أساسًا جوارب ولعبًا ومنتجات كثيفة العمالة، بينما ازدادت الانتقادات بشكل ملحوظ بمجرد أن اكتسبت الصين ميزة تنافسية في مجالات التكنولوجيا العالية مثل الطاقة الجديدة، والتصنيع المتقدم، والتقنيات الرقمية؟

يمثل الصعود التدريجي للشركات الصينية من المستويات الدنيا إلى المستويات المتوسطة والعليا ضمن سلسلة الصناعة العالمية اتجاهاً حتمياً في مسيرة التحديث الصيني النمط. وإن أي محاولة لحصر الصين بشكل دائم في القطاعات الدنيا من سلسلة الصناعة العالمية، تلك التي تتسم بكثافة اليد العاملة، وانخفاض القيمة المضافة، وتدني المستوى التقني، إنما تعكس عقلية هيمنة قاصرة النظر وأحادية الجانب، وهي عقلية تتعارض جوهرياً مع قوانين التطور الصناعي ومع التوجه العالمي السائد نحو التعاون الاقتصادي. وفي ظل التطور الديناميكي الذي يشهده تقسيم العمل العالمي، يتحتم على جميع الدول أن تبادر بشكل استباقي إلى إجراء التعديلات اللازمة. وفي هذا الصدد، يُعد التعاون القائم في قطاع صناعة السيارات الصيني-الألماني نموذجاً إيجابياً يُحتذى به، ففي حين كان التعاون الصيني-الألماني تاريخياً يركز في المقام الأول على استيراد السيارات الألمانية الجاهزة وعمليات التصنيع واسعة النطاق داخل الصين، فإن منظومة تصنيع السيارات الألمانية تشهد اليوم اندماجاً عميقاً مع قطاعي السيارات الذكية والكهربائية في الصين، وذلك من خلال استخدام المنصات الرقمية الصينية والمشاركة في تطوير الجيل القادم من السيارات الذكية. وقد أثبتت التجربة أن هذا النموذج التعاوني يتيح لكلا الطرفين تحقيق نجاح متبادل في ظل سوق تتسم بمنافسة شرسة.

ومع تزايد أعداد الشركات الصينية التي تتوسع في الأسواق الخارجية، فإنها لا تجلب معها المنتجات ورأس المال فحسب، بل تحمل أيضاً "الروح الصينية للكفاح"، التي تتسم بجرأة في مقاربة الابتكار واستعداد دائم لارتياد آفاق جديدة. ويُعد هذا الأمر قوة دافعة هائلة تقف وراء التعزيز المستمر للقدرة التنافسية للشركات الصينية. وفي هذا السياق، سبق لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، جان بيير رافاران، أن أشار إلى أن جيل الشباب في الصين يتسم بالذكاء والمثابرة والابتكار المتواصل، وملاحظاً أن العالم في أمسّ الحاجة إلى الابتكار، حدد الصين باعتبارها على وجه التحديد قوة ابتكارية كبرى تلبي هذه الحاجة. وبالمثل، وعقب زيارته للصين في وقت سابق من هذا العام، أعرب المستشار الألماني مارتن عن إعجابه الشديد بما لمسه من مثابرة وجدّية لدى الشعب الصيني. وتؤكد هذه الملاحظات حقيقة بسيطة مفادها أن تعزيز القدرة التنافسية لا بد أن ينبع من الداخل، إذ لا يوجد أي شكل من أشكال السياسات الحمائية يمكنه أن يضمن لأي شركة الحفاظ إلى ما لا نهاية على موقع مهيمن ضمن سلسلة القيمة العالمية.

لقد رسّخت أعدادٌ كبيرة من الشركات متعددة الجنسيات وجودها بالفعل في الصين، ولم تنظر الصين إليها قط باعتبارها "تهديداً نظامياً". ففي الماضي، استمدت الصين زخماً حيوياً لعملية تنميتها من الاستثمارات الأجنبية، محققةً بذلك نمواً اقتصادياً وتطوراً صناعياً. واليوم، تواصل الصين توسيع نطاق انفتاحها رفيع المستوى على العالم الخارجي، مما يتيح للمؤسسات ذات التمويل الأجنبي المشاركة في الفرص التي تتيحها مسيرة التنمية الصينية. ومن المأمول أن تواجه الدول ووسائل الإعلام المعنية التغيرات الجارية في العالم بكل صراحة ومباشرة، وأن تتخلى عن تحيزاتها ضد الشركات الصينية التي تتوسع في الخارج، وأن تتيح لجميع الأطراف فرصة التطور المشترك في ظل بيئة سوقية عادلة ومنصفة.

صور ساخنة