الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

تعليق: لماذا تزداد الطلبات العالمية على الدرّاجات الكهربائية الصينية؟

بعد أن كانت تُعدّ "وسيلو نقل متواضعة"، باتت الدراجات الكهربائية الصينية ذات العجلتين والثلاث عجلات في الوقت الحالي، تشهد طفرة تصديرية عالمية، لتصبح مثالا جديدا على تنافسية الصناعة الصينية في الأسواق الدولية، إلى جانب مركبات الطاقة الجديدة ومنتجات الطاقة الشمسية.

وفي الربع الأول من عام 2026، صدّرت الصين نحو 7.2 مليون دراجة كهربائية ذات عجلتين، بزيادة سنوية بلغت 68.2%. كما لا تزال النقاشات حول الدراجات الكهربائية تتصدر منصات التواصل الاجتماعي العالمية.

ظاهريا، يُعزى هذا الرواج المتزايد إلى أزمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. غير أن الواقع يشير إلى أن انتشار الدراجات الكهربائية في الأسواق الأجنبية كان اتجاها طبيعيا، وبمعزل عن الارتفاع الأخير في أسعار النفط. وتميز الدرّاجات الكهربائية بمزايا مهمّة، فهي اقتصادية ومرنة ومتينة، وتتمتع بمحركات قوية ومدى تشغيل طويل. كما أنها تسد الفجوات التي لا تغطيها وسائل النقل العام في المناطق منخفضة الكثافة السكانية، مثل أمريكا الشمالية وأستراليا، وتتأقلم في الوقت ذاته مع الازدحام المروري في المناطق مرتفعة الكثافة السكانية، مثل جنوب شرق آسيا. وفي نطاق أوسع، يمكن استخدامها في التنقل عبر الطرق الوعرة في المناطق الجبلية بأمريكا الجنوبية، أو في نقل المعدات والأدوية خلال تفشي الأوبئة في القرى الأفريقية.

الأهم من ذلك أن الدرّاجات الكهربائية لا تنسجم فقط مع التوجه العالمي نحو التنمية الخضراء منخفضة الكربون فحسب، بل توفر أيضا وسيلة تنقل ميسورة التكلفة للفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وفي ظل التحول المتسارع نحو الكهرباء في أسواق النقل العالمية، سواء عبر سياسات الاتحاد الأوروبي أو برامج "التحول من النفط إلى الكهرباء" في العديد من دول جنوب شرق آسيا، لم تعد هذه المركبات مجرد نتاج للتنمية الخضراء في الصين، بل أصبحت أيضا وسيلة مهمة لتصدير حلول منخفضة الكربون إلى مختلف أنحاء العالم.

وقبل عدة سنوات، توقعت وسائل إعلام أجنبية أن يكون للمركبات الكهربائية الصغيرة تأثير أكبر على مكافحة تغير المناخ من السيارات الكهربائية ذات الأربع عجلات، مشيرة إلى أن الدول التي تقتنص فرصة التحول الكهربائي في قطاع النقل ستكون الأقرب إلى مستقبل أكثر استدامة. وقد شهد العالم بالفعل هذا التحول الواسع، لكن السؤال يبقى: لماذا نجحت الصين في إحراز تقدم كبير على هذا المسار؟

وإلى جانب عوامل مثل تطوير "ثلاثي الصادرات الجديد" (السيارات الكهربائية، بطاريات الليثيوم، الألواح الشمسية) التي أوجدت ميزة تنافسية متكاملة في سلسلة التوريد الصناعية، يبقى العامل الأهم هو الإصرار الاستراتيجي للصين على المضي قدما في التحول الأخضر. فعلى عكس بعض الدول التي تنظر إلى التحول منخفض الكربون باعتباره عبئا اقتصاديا وتكنولوجيا، اعتبرت الصين التنمية الخضراء فرصة استراتيجية، وانطلقت من مبدأ المنفعة العامة، ساعية إلى جعل وسائل النقل النظيفة متاحة للجميع، ومقدمة نموذجا عمليا مهما لتحول الطاقة والنقل على المستوى العالمي.

الجدير بالذكر أن الشركات الصينية الخاصة تتمتع بقدرة كبيرة على التكيف مع الأسواق، إذ ترصد احتياجات المستهلكين بدقة وتستجيب لها بسرعة، وتطوّر منتجات تلائم الطلب المحلي، بما يعزز قدرتها التنافسية باستمرار. ويُعد ذلك أحد الأسباب الرئيسية وراء الانتشار الواسع للدراجات الكهربائية في الأسواق الخارجية، بعد النجاح العالمي الذي حققته مركبات الطاقة الجديدة.

وفي مواجهة متطلبات الأسواق المختلفة، انتقلت الشركات الصينية من نهج "بيع ما هو متاح" إلى نهج "تصنيع ما يحتاجه السوق". فالطرازات المخصصة لجنوب شرق آسيا تم تزويدها بخصائص مقاومة للماء والغبار وأنظمة امتصاص صدمات محسنة لتناسب المناخ الحار والممطر والطرق الموحلة. أما الدراجات الكهربائية المساعدة الموجهة إلى أوروبا، فتتميز بخفة الوزن وانخفاض الضوضاء والتوافق مع المعايير البيئية الأوروبية وثقافة ركوب الدراجات المحلية. في المقابل، تركز الطرازات المخصصة لأفريقيا وأمريكا اللاتينية على المدى الطويل وقدرة التحميل العالية والمتانة لتلبية احتياجات نقل الركاب والبضائع.

وهكذا، أصبحت المركبات الكهربائية الصينية جزءا من الحياة اليومية والإنتاجية في مختلف أنحاء العالم، سواء بوصفها أداة عمل للمزارعين في الأمريكتين، أو كوسيلة نقل مفضلة من قبل الشباب في أفريقيا، أو كخيار عملي بالنسبة لموظفي المكاتب في أوروبا.

وتواجه الحوكمة المناخية العالمية في الوقت الحالي تحدي تمكين الدول النامية من خفض الانبعاثات بالتوازي مع تحقيق التنمية الاقتصادية. ويبرهن الانتشار الواسع للدراجات الكهربائية، إلى جانب الحضور العالمي لمنتجات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الصينية، على أن خفض الانبعاثات والتنمية الاقتصادية ليسا مسارين متعارضين، بل يمكن تحقيقهما معا من خلال أنظمة تكنولوجية منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع.

كما تعمل الشركات الصينية على توسيع استراتيجيات التوطين في جنوب شرق آسيا وأفريقيا، متجاوزة مرحلة تصدير المنتجات نحو تصدير القدرات والخدمات المتكاملة. ومن خلال إنشاء قواعد إنتاج محلية ونشر شبكات تبديل البطاريات، تسهم هذه الشركات في توسيع نطاق أنظمة التنقل الكهربائي منخفضة التكلفة وتعزيز قابلية تكرارها، بما يدفع عجلة التنمية الصناعية المحلية.

وفي الوقت الراهن، تدفع التحولات في مشهد الطاقة العالمي عجلة التوجه الدولي نحو كهربة وسائل النقل بوتيرة متسارعة. وتواكب الصين هذا التحول، محققة تقدما ملحوظا على مختلف المستويات. كما يؤكد الإقبال المتزايد على المركبات الكهربائية الصينية حقيقة بسيطة مفادها أن تلبية الطلب العالمي المتنامي تتطلب مزيدا من القدرات الإنتاجية الخضراء، وأن ما تمتلكه الصين من طاقات إنتاجية في هذا المجال لايعد فائضا، بل لا يزال دون مستوى الاحتياجات العالمية المتزايدة.

صور ساخنة