الصفحة الرئيسية >> الصين

مقالة: فرقة الأكروبات السودانية تروي حكاية 55 عاما من التعاون الثقافي مع الصين

/مصدر: شينخوا/   2026:05:27.08:55

الخرطوم 26 مايو 2026 (شينخوا) جلست ناهد شرحبيل أحمد في الصفوف الأمامية لقاعة احتفال بمدينة بورتسودان، تتابع بصمت فيلماً وثائقياً يستعرض تاريخ فرقة الأكروبات السودانية، قبل أن تغلبها الدموع وهي تشاهد صوراً بالأبيض والأسود لأطفال سودانيين يتدربون في مدينة ووهان قبل أكثر من نصف قرن.

وفي القاعة التي ازدانت بالأعلام السودانية والصينية وصور قديمة لعروض الفرقة، بدت ناهد وكأنها تعيش عودة كاملة إلى الماضي، بينما كانت موسيقى صينية تقليدية تنساب بهدوء في الخلفية، ممزوجة بأصوات الحضور وتصفيقهم مع كل مشهد تاريخي يظهر على الشاشة.

وكانت ناهد واحدة من الأطفال الذين أوفدهم السودان إلى الصين عام 1971 ضمن مشروع للتبادل الثقافي بين البلدين، حيث تلقت الدفعة الأولى تدريبات مكثفة في فنون الأكروبات والموسيقى الشعبية الصينية، لتشكل لاحقاً النواة الأولى لأول فرقة أكروبات سودانية.

وقالت ناهد، التي تشغل حالياً منصب رئيسة الفرقة، لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن مشاهدة تلك المشاهد أعادتها إلى "أجمل سنوات العمر"، مضيفة "كنت في التاسعة من عمري عندما وصلنا إلى ووهان، كنا أطفالاً صغاراً نخاف من الغربة ولا نعرف كلمة واحدة بالصينية، لكننا وجدنا هناك قلوباً كبيرة احتضنتنا بمحبة".

وأضافت أن المعلمين الصينيين "لم يعاملونا كطلاب فقط، بل كأبنائهم تماماً"، مشيرة إلى أنهم كانوا يرافقون الأطفال في تفاصيل حياتهم اليومية، من التدريب والدراسة إلى الرعاية الصحية.

وتابعت، وهي تنظر إلى صور زملائها القدامى المعلقة داخل القاعة "كل حركة تعلمناها هناك كانت تحمل رسالة صبر وانضباط، وعندما عدنا إلى السودان شعرنا أننا نحمل حلماً كبيراً يجب أن نقدمه لشعبنا".

وفي عام 1971 أوفد السودان خمسين طفلاً إلى الصين لتلقي تدريبات متخصصة استمرت ثلاثة أعوام، قبل أن يعودوا إلى السودان عام 1974 ليقدموا عروضهم الفنية كأول فرقة أكروبات في إفريقيا والعالم العربي.

ومنذ ذلك الوقت، تحولت الفرقة إلى واحدة من أبرز المؤسسات الفنية في السودان، وقدمت عروضاً في العديد من الدول العربية والإفريقية، ونجحت في المزج بين تقنيات الأكروبات الصينية التقليدية والإيقاعات والرقصات السودانية والإفريقية.

وجاءت ذكريات ناهد خلال حفل استقبال نظمته السفارة الصينية في السودان بمدينة بورتسودان، بمناسبة مرور 55 عاماً على تأسيس فرقة الأكروبات السودانية، بحضور مسؤولين سودانيين ودبلوماسيين وفنانين مخضرمين وأعضاء من الجالية الصينية، غير أن الاحتفال هذا العام لم يقتصر على استعادة الذكريات، بل جاء في وقت تواجه فيه الفرقة تحديات كبيرة بسبب الحرب الدائرة في السودان، والتي تسببت في تدمير بعض مقراتها وتوقف أنشطتها الفنية، فضلاً عن تشتت عدد من أعضائها بين نازحين داخل البلاد ولاجئين خارجها.

ورغم تلك الظروف، أكد أعضاء الفرقة تمسكهم بالأمل في استعادة نشاطها من جديد، فيما أوضحت ناهد أن إدارة الفرقة وضعت خطة عاجلة لإعادة تأهيل مقرها وتوفير المعدات المطلوبة، إلى جانب استيعاب دفعة جديدة من اللاعبين الشباب وتدريبهم.

وفي السياق، قال عضو الفرقة المخضرم مجدي بابكر إن الفرقة لم تكن مجرد مشروع فني، بل "رحلة إنسانية كاملة صنعت شخصياتنا وغيرت حياتنا".

وأضاف "كنا أطفالاً قادمين من بيئات مختلفة في السودان، لكننا تعلمنا هناك معنى الالتزام والعمل الجماعي، وتعلمنا كيف يمكن للفن أن يجمع الناس رغم اختلاف اللغة والثقافة".

وتابع بابكر "أتذكر أيام التدريب الطويلة في ووهان، كنا نسقط ونتعب ونبكي أحياناً من شدة الإرهاق، لكن المدربين الصينيين كانوا يشجعوننا دائماً ويقولون إن النجاح يحتاج إلى الصبر".

وأعرب عن أمله في أن تتجاوز الفرقة الصعوبات الحالية، قائلاً "حتى في أصعب ظروف الحرب الحالية، ما زلت أؤمن أن هذه الفرقة ستعود، لأنها ليست مجرد عروض على المسرح، بل ذاكرة مشتركة بين شعبين".

من جانبه، قال القائم بأعمال السفارة الصينية لدى السودان شيوي جيان إن مرور 55 عاماً على تأسيس الفرقة يمثل "سنوات ذهبية كتبت فيها الأساطير".

وأضاف أن مجموعة من "اليافعين السودانيين قدموا قبل أكثر من نصف قرن من ضفاف النيلين الأبيض والأزرق إلى ضفاف نهري اليانغتسي وهان في الصين، حيث قام أساتذة فرقة ووهان للأكروبات بتعليمهم يداً بيد، ومعاملتهم كما لو كانوا أبناءهم".

وأكد أن هذه الروابط الإنسانية العابرة للجبال والبحار أسهمت في ميلاد أول فرقة أكروبات في العالم العربي والقارة الإفريقية، لتصبح لاحقاً "زهرة الصداقة الصينية السودانية".

بدوره، قال ممثل وزارة الخارجية السودانية السفير عمر أوشيك إن الاحتفال بذكرى تأسيس الفرقة يمثل احتفاءً بالعلاقات الثقافية والشعبية بين السودان والصين، واستلهاماً لتجربة تعاون امتدت لعقود.

وأضاف أن الفرقة أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية السودانية ورمزاً للتبادل الحضاري بين الشعبين.

وخلال الحفل، تابع الحضور فيلماً وثائقياً استعرض رحلة تأسيس الفرقة منذ سفر الأطفال السودانيين إلى ووهان، مروراً بسنوات التدريب الشاقة، وصولاً إلى العروض التي قدمتها الفرقة داخل السودان وخارجه.

وأظهرت المشاهد تدريبات الأطفال السودانيين على أيدي المدربين الصينيين، إلى جانب عروض مزجت بين المهارات الأكروباتية الصينية والإيقاعات الإفريقية والرقص العربي، في لوحة فنية عكست عمق التبادل الثقافي بين البلدين.

ومع تصاعد إيقاعات الطبول السودانية خلال عرض مقاطع من العروض القديمة، علا التصفيق داخل القاعة، بينما وقف أعضاء الفرقة القدامى لتحية الجمهور، في لحظة امتزجت فيها الدموع بالفخر.

وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، ظلت فرقة الأكروبات السودانية شاهداً على عمق العلاقات الثقافية بين السودان والصين، فيما أكدت رسائل الاحتفال أن "زهرة الصداقة الصينية السودانية" لا تزال قادرة على التفتح من جديد رغم ظروف الحرب والتحديات الراهنة. /نهاية الخبر/

صور ساخنة