الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

تحقيق إخباري: بين الشهادة الجامعية والواقع .. شباب اليمن يواجه مستقبلاً يتلاشى

/مصدر: شينخوا/   2026:05:09.09:00

عدن 8 مايو 2026 (شينخوا) كل صباح، يجلس عبد الله الجحافي خلف مقود حافلة مدينة متهالكة، ويقودها عبر شوارع تحمل آثار سنوات من الحرب في اليمن، يحمل شهادة في الهندسة المدنية من جامعة عدن، ولم يعمل يوماً في مجاله.

وقال الجحافي، ذو الـ 27 عاماً، وهو يثبت نظره على الطريق "كنت أعتقد أن قيادة الحافلة عمل مؤقت، لكن يبدو أنه أصبح دائماً الآن"، وأضاف "لم أفقد طموحي دفعة واحدة، بل تلاشى تدريجياً مع كل باب يُغلق في وجهي".

وتعكس قصته، في كثير من جوانبها، واقع جيل كامل في اليمن، حيث لا تزال معدلات البطالة مرتفعة في بلد أنهكته الحرب، وتقدّر الحكومة أن المعدل الإجمالي في عام 2026 يتراوح بين 56 و70 %، بينما ترتفع النسبة بين الشباب وخريجي الجامعات.

وتواصل أكثر من 65 جامعة حكومية وخاصة تخريج طلاب كل عام، إلا أن الغالبية ينتهون إلى الانتظار الطويل بحثاً عن فرصة عمل.

أما القطاع العام، الذي كان تاريخياً العمود الفقري للتوظيف المستقر في اليمن، فقد ظل مجمداً فعلياً منذ عام 2015، ويقول مسؤول حكومي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بعدن، طلب عدم الكشف عن هويته، إن التوظيف توقف عملياً، مضيفا "لقد جمدت الحرب التوظيف فعلياً، تاركة آلاف الخريجين واقفين عند خط البداية".

وتابع المسؤول "حتى الوظائف التي تُفتح أحياناً لم تعد توفر الأمان السابق، مع تأخر الرواتب أو انقطاعها، ما أفقد الوظيفة الحكومية مكانتها كضمان اجتماعي".

بالنسبة للجحافي، تغيّر كل شيء، وقال "في بلد آخر، تفتح الشهادة الأبواب، لكن ليس هنا"، لافتا إلى أن "المشكلة ليست فقط في نقص الوظائف، بل إن الفرص محدودة، وكثير منها يعتمد على العلاقات لا على المؤهلات".

وفي محافظة تعز، نشأ صالح علي عبود في بيئة ريفية، وكانت والدته تبيع حليها الذهبية قطعة تلو الأخرى لتكمل تعليمه، إلى أن تخرج بشهادة في التمويل، لكنه بعد ثلاث سنوات يعمل حاليا في أعمال بناء وبيع بسيطة، بينما تعاني والدته من المرض.

وقال "كانت تؤمن بأن التعليم سيغير كل شيء، والآن لا أستطيع أن أرد حتى جزءاً بسيطاً مما قدمته".

وفي مجتمع يُتوقع فيه من المتعلمين أن يكونوا سنداً لأسرهم، يتحول العجز عن الحصول على عمل إلى عبء نفسي واجتماعي ثقيل.

وأضاف عبود "هناك توقعات لا يمكنك الهروب منها، تراها في عيون أسرتك، كانوا يعتقدون أنك ستكون سندهم، لكنك مازلت تعتمد عليهم".

ومع ضعف فرص التدريب وتدهور المهارات، يجد كثير من الخريجين أنفسهم خارج مسار التطور المهني، بينما يواصل الاقتصاد تراجعه، وتفقد العملة قيمتها تدريجياً.

واستطرد عبود "في اليمن، لا يبني الخريج مسيرة مهنية، بل ينتظر على هامش الزمن، يراقب معارفه وهي تتلاشى ببطء".

حتى عند توفر فرص عمل، فإنها غالباً ما تفتقر إلى الاستقرار، فعيسى صلاح، وهو خريج تمريض، يعمل نوبات تمتد إلى 14 ساعة في منشأة طبية خاصة مقابل نحو 150 ألف ريال يمني شهرياً، أي ما يقارب 100 دولار أمريكي، من دون تأمين صحي أو ضمان وظيفي.

وقال "أشعر وكأنني أعمل فقط لأستمر في العمل"، ويضيف أنه بعد أربع سنوات من التخرج لم يحصل على وظيفة مستقرة، وبدأ يعيد التفكير في جدوى شهادته، قائلاً "أحياناً أندم على الدراسة.. حتى إنني أفكر في أن أطلب من أصدقائي الذين تركوا الجامعة عملاً".

وتشير تقديرات إلى أن الحرب الأهلية في اليمن، المستمرة منذ أكثر من عقد، تسببت بخسائر اقتصادية تتجاوز 250 مليار دولار، في بلد كان يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية.

وتقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 22 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2026، في ظل استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي.

وبين شهادات متعطلة وأحلام مؤجلة، يبدو جيل الشباب اليمني وكأنه يعيش حالة انتظار طويلة، يمتلك فيها مؤهلات لا تجد طريقها إلى سوق العمل، وقدرات تصطدم بواقع اقتصادي منهك.

وقال الجحافي، وهو يتفادى حفرة في طريق عدن المتدهور "لم أتخل عن أحلامي في لحظة واحدة، بل استبدلتها تدريجياً بكل ما يمكن أن يُبقيك مستمراً في الحياة". /نهاية الخبر/

صور ساخنة