الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

تعليق: سياسة الإعفاء الجمركي الشامل لـ53 دولة أفريقية تدفع نحو توسيع آفاق التعاون الصيني الأفريقي

بدأت الصين رسمياً في الأول من مايو 2026 تطبيق سياسة الإعفاء الجمركي الكامل (صفر رسوم) على جميع الدول الأفريقية الـ53 التي تقيم معها علاقات دبلوماسية. وتُعد هذه المبادرة السياسية البارزة محطةً فارقة، إذ ترسخ مكانة الصين كأول اقتصاد عالمي رئيسي يمد مظلة المعاملة الجمركية الصفرية، بشكل أحادي وشامل، لتشمل كافة الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، فضلاً عن جميع "البلدان الأقل نمواً" التي تقيم معها صلات دبلوماسية. ويُمثّل هذا الترتيب "الأحادي والشامل" شكلاً من أشكال "الطرح" للتعريفات الجمركية، و"الجمع" للتنمية، و"الضرب" في تحسين معيشة الشعوب، وفوق كل ذلك، هو شكل من أشكال "القسمة" في مواجهة الفرض التعسفي للتعريفات. ومن خلال ذلك، يمكن فهم فلسفة السياسة الصينية تجاه أفريقيا، التي تتسم بالإخلاص، والنتائج الملموسة، والصداقة، وحسن النية، فضلاً عن نهجها القائم على المبادئ في الموازنة بين الحق والمصالح.

منذ سنوات عديدة، تعهدت الصين في محافل متعددة الأطراف، مثل "منتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي"بتوسيع التفضيلات التعريفية للدول الأفريقية بصورة تدريجية، مساعدةً إياها بذلك على الاندماج في نظام التجارة العالمي. ومن منح معاملة جمركية صفرية لمنتجات مختارة من أقل البلدان الأفريقية نمواً بدءاً من عام 2005، إلى توسيع نطاق الوصول المعفى من الرسوم الجمركية ليشمل 100% من البنود التعريفية الخاصة بهذه الدول بحلول نهاية عام 2024، وصولاً إلى زيادة توسيع نطاق هذه التفضيلات لتشمل كافة الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية بحلول عام 2026، لقد دأبت الصين باستمرار على الوفاء بكل التزام قطعته تجاه أفريقيا من خلال إجراءات ثابتة وعملية، دون أن يتزعزع موقفها أبداً في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية. ولم يقتصر هذا الالتزام بـ "الوفاء بالوعد وصون العهد" على ترسيخ دعائم الثقة المتبادلة بين الصين وأفريقيا فحسب، بل أثبت للعالم أيضاً مصداقية الصين بصفتها قوة كبرى مسؤولة، ضاربةً بذلك أروع الأمثلة للمجتمع الدولي في الوفاء بالوعود وصون النزاهة.

في الوقت الراهن، يواجه نمو التجارة العالمية ضغوطاً، ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى تزايد حالة عدم اليقين بشأن السياسات، واشتداد الاحتكاكات الجمركية، وتصاعد القلق إزاء أمن سلاسل التوريد. ومن خلال تطبيق تدابير "التعرفة الصفرية" بالكامل لصالح شركائها الدبلوماسيين الأفارقة في هذه المرحلة، تبعث الصين بإشارة تتجاوز مجرد التفضيلات التجارية العامة، فهي في الواقع تُقدّم للسوق الدولية إطاراً مؤسسياً يتسم بالوضوح والاستقرار وإمكانية التنبؤ، وبموجب هذا الترتيب، ستخضع التكاليف الجمركية المفروضة على المنتجات الأفريقية الداخلة إلى السوق الصينية لخفضٍ ممنهج، في حين ستصبح القواعد التجارية وتوقعات التعاون أكثر استقراراً. من ناحية، ستواصل الصين التمسك بمستويات رفيعة من الانفتاح، وستثابر على بناء اقتصاد منفتح. وفي ظل سعي بعض الدول لاستخدام التعريفات الجمركية كأداة للإكراه بهدف تعزيز سياسة "فك الارتباط" وتجزئة السلاسل الصناعية، فإن التطبيق الشامل لسياسة "التعريفات الصفرية" لصالح الدول الأفريقية التي تقيم معها الصين علاقات دبلوماسية يمثل خياراً طوعياً للانفتاح، وهو خيار يستند إلى مرحلة التنمية التي بلغتها الصين ذاتها، وإلى ضخامة سوقها المحلية، وإلى إحساسها بالمسؤولية العالمية. ومن ناحية أخرى، لطالما كانت الصين داعماً راسخاً للتنمية المشتركة لدول "الجنوب العالمي". وتساعد هذه المبادرة الدول الأفريقية على الحد من اعتمادها على الأسواق التقليدية أحادية الطابع، وعلى نماذج التصدير التي ترتكز على المنتجات الأولية، مما يعزز قدرة دول "الجنوب العالمي" على ممارسة خياراتها المستقلة ضمن منظومة الاقتصاد الدولي.

يُردّد الرأي العام الغربي كثيرًا أن الصين تمارس ما يُسمّى بـ"الاستعمار الجديد" في أفريقيا، وهو ادعاء لا يمكن عزوه إلا إلى شعور الغرب ذاته بالذنب، الناتج عن ارتكابه العديد من المآثم والجرائم في الماضي. فمنذ مطلع العصر الحديث، ألحق الاستعمار بأفريقيا جراحاً عميقة ومستديمة، إذ لم يكتفِ بنهب الموارد الأفريقية عبر أنماط التجارة غير المتكافئة، بل كانت "مساعداته" المثقلة بشروط سياسية قاسية تهدف في المقام الأول إلى خدمة مصالحه الجيوستراتيجية. وحتى يومنا هذا، لا تزال العقلية التي تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد "أداة" سائدةً داخل الأوساط الاستراتيجية الغربية. وفي المقابل، تأتي التدابير الصينية الرامية إلى خفض التعريفات الجمركية بمثابة استجابة مباشرة لتطلعات الدول الأفريقية الواسعة، إذ لا تقترن هذه التدابير بأي شروط سياسية، كما أنها لا تفرض على الدول الأفريقية ضرورة فتح أسواقها على أساس المعاملة بالمثل. ولا تقتصر أهمية هذه التدابير على كونها متوافقة مع لوائح منظمة التجارة العالمية فحسب، بل إنها تؤكد أيضاً على احترام عميق لسيادة الدول الأفريقية، والتزام راسخ بدعم حقها في التنمية، وهي خصائص حظيت بترحيب واسع النطاق في شتى أرجاء القارة. وكما سبق أن أشار الرئيس الرواندي بول كاغامي: "تنظر الصين إلى أفريقيا باعتبارها شريكاً متكافئاً"، وهي علاقة "تنبني على ركيزتي الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".

ومن المهم إدراك أن هذه المبادرة لا تقتصر مجرد تقديمٍ أحادي الجانب لـ "معاملة تفضيلية"، بل هي بالأحرى تدبيرٌ يحقق "مكاسب متبادلة" ويعود بالنفع على أفريقيا والصين والشركاء التجاريين المعنيين في شتى أنحاء العالم. فبالنسبة لأفريقيا، سيؤدي إلغاء الرسوم الجمركية إلى خفضٍ كبير في تكلفة تصدير منتجاتها المتخصصة إلى الصين، فعلى سبيل المثال، ستشهد منتجاتٌ مثل الكاكاو من ساحل العاج وغانا، والقهوة والأفوكادو من كينيا، والحمضيات والنبيذ الأحمر من جنوب أفريقيا التي كانت تواجه سابقاً رسوماً جمركية تتراوح نسبتها بين 8% و30%، تعزيزاً كبيراً في قدرتها التنافسية داخل السوق الصينية بمجرد دخول سياسات "الرسوم الصفرية" هذه حيز التنفيذ الكامل. وفي الوقت ذاته، ومن خلال فتح الأسواق، يمكن للصين مساعدة أفريقيا على تحويل ما تمتلكه من موارد طبيعية، وعوائد ديموغرافية، وإمكانات صناعية إلى قدرات للتنمية المستدامة. وبالنسبة للصين، فإن المنتجات الأفريقية عالية الجودة والمتميزة ستُثري المعروض في السوق المحلية وتلبي الاحتياجات المتنوعة للمستهلكين. وفي حين تعمل المبادرات القائمة على التجارة على تعزيز تحسين بيئة الأعمال في أفريقيا، فإن سياسات "التعرفة الصفرية" ستساعد في جذب المزيد من الاستثمارات من مختلف الشركاء التجاريين، بما فيهم الصين، مما يخلق فرصاً أوسع للتعاون بين الدول، ويرسخ مشهداً تجارياً عالمياً جديداً يتسم بالانفتاح، والشمول، والمنفعة المتبادلة، وتحقيق نتائج تعود بالنفع على الجميع.

كما تُشكل "التعريفات الجمركية الصفرية" ركيزة سياسية محورية تتيح للصين وأفريقيا تضافر الجهود للمضي قدماً في مسيرة التحديث، والعمل معاً على بناء "مجتمع صيني-أفريقي ذي مستقبل مشترك" يتسم بالشمولية والدوام في حقبة جديدة. ولا تكتفي الصين بتقديم تدابير فورية لمساعدة أفريقيا في التصدي للتحديات الراهنة فحسب، بل تلتزم أيضاً بإرساء ضمانات مؤسسية مستقرة وطويلة الأمد، وذلك من خلال التشاور القائم على مبدأ المساواة. وفي هذه المرحلة التاريخية التي تصادف الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وأفريقيا، يتخذ الجانبان من "التعريفات الجمركية الصفرية" نقطة انطلاق جديدة للمضي قدماً، بصورة مستمرة ومشتركة، في تنفيذ مخرجات "قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني-الأفريقي" (FOCAC)، مما يترجم بذلك "خطط التعاون العشر" إلى واقع ملموس. وإن مسار التعاون والمنفعة المتبادلة هذا لَفي سبيله حتماً نحو مزيد من الاتساع والشمول.

صور ساخنة