الصفحة الرئيسية >> الأعمال والتجارة

فهم الاقتصاد الصيني(10) : هل تحقق الصين مزايا تجارية من خلال التلاعب بسعر الصرف؟

منذ مطلع عام 2026، حافظت التجارة الخارجية للصين على قوتها. وفي غضون ذلك، تعود بعض الروايات الغربية لتكرار أطروحات قديمة، زاعمةً أن نمو الصادرات الصينية هو نتاج "التلاعب بأسعار الصرف"، ومحاججةً بأن الصين تعمل بشكل مصطنع على خفض قيمة عملتها، الرنمينبي (RMB)، بهدف تعزيز القدرة التنافسية لمنتجاتها من حيث الأسعار. قد يبدو هذا الادعاء مقنعاً للوهلة الأولى، إلا أنه منفصل تماماً عن الواقع.

تُطبّق الصين نظاماً لسعر الصرف العائم المُدار، وعلى مدار سنوات، ظل الرنمينبي مستقراً بصفة عامة عند مستوى معقول ومتوازن. ولو كان الإقبال على المنتجات الصينية "كبيراً" لمجرد أن الرنمينبي "رخيص"، لكانت أحجام الصادرات الصينية —التي تحطم الأرقام القياسية باستمرار— لتشير ضمناً إلى عملة تشهد تراجعاً مستمراً في قيمتها. فكيف، إذن، أمكن لسعر الصرف أن يظل مستقراً إلى حد كبير؟ والواقع أنه بحلول نهاية شهر مارس من هذا العام، كان الرنمينبي قد ارتفعت قيمته بنسب بلغت 1.3% و3.7% و3.2% و2.4% مقابل الدولار الأمريكي واليورو والين والجنيه الإسترليني، على التوالي. ووفقاً لـ "النظرية" المذكورة أعلاه، كان ينبغي لهذا الارتفاع أن يُضعف القدرة التنافسية السعرية للصادرات الصينية. فلماذا إذن تواصل الصادرات نموها؟ وإذا كان التلاعب بسعر الصرف قادراً حقاً على تحقيق مزايا تجارية طويلة الأمد، فلماذا أخفقت معظم الدول التي حاولت تعزيز صادراتها من خلال خفض قيمة عملتها في تحقيق نمو مستدام؟

لقد غيّرت العولمة الاقتصادية منذ زمن طويل طريقة ممارسة الدول لأعمالها. ففي الماضي، كانت الدول تعتمد بشكل كبير على مواردها الخاصة لإنتاج وبيع السلع. أما اليوم فالوضع مختلف: تتخصص الدول وتتعاون وتتبادل ما لديها. وتتمتع الدول التي تستغل الموارد العالمية على النحو الأمثل بالأفضلية. وبصفتها دولة تجارية رئيسية، تتبع الصين هذا النموذج من خلال استيراد المواد الخام والمكونات من جميع أنحاء العالم، ومعالجتها وتطويرها محلياً، وتصدير المنتجات النهائية إلى جميع أنحاء العالم. لا يعود ذلك إلى أن الصين "تمتلك كل شيء"، بل إلى تفوقها في التكامل والتعاون. وإلى حد كبير، فإن الميزة التجارية للصين هي نتيجة لسلاسل التوريد العالمية المنسقة، حيث تتأثر الأسعار بعوامل عالمية متعددة. إن محاولة إعادة تشكيل هذا النظام بمجرد تعديل سعر صرف اليوان الصيني أمر غير واقعي.

أصبح نظام التصنيع الشامل في الصين وسياساتها التجارية الداعمة قوةً دافعةً للاستقرار في ظل العولمة الاقتصادية. وعلى مر السنين، شكّلت مبادرة "صنع في الصين" ركيزةً أساسيةً لإمدادات عالمية مستقرة، ولعبت دورًا إيجابيًا في إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وساعدت الدول المستوردة على التخفيف من آثار الصدمات الخارجية. وسواءً أكانت سلعًا استهلاكيةً للطلب النهائي، أو سلعًا وسيطةً ومكوناتٍ تدعم التنمية الصناعية، فإن جميع الأطراف تُلبّى احتياجاتها بشكلٍ جيدٍ من خلال الواردات من الصين. ولا داعي للقلق بشأن التأخير أو النقص، إذ يُمكن للمستوردين تخصيص المنتجات لتلبية مختلف الاحتياجات. كما يُمكن للمشترين الدوليين إتمام عملية الشراء من نقطة واحدة في الصين، مما يُقلل التكاليف بشكلٍ كبيرٍ ويُبسط خدمات ما بعد البيع. ومن "المنتجات الثلاثة الجديدة" (المركبات الكهربائية، بطاريات الليثيوم، ومنتجات الطاقة الكهروضوئية) إلى المعدات المتطورة، لم تعد القدرة التنافسية الأساسية للصادرات الصينية تعتمد على الأسعار، بل على التكنولوجيا، والقدرة على التسليم، والجودة الموثوقة.

تُعد التجارة الدولية نظاماً بيئياً معقداً، تلعب فيه التوقعات والثقة أدواراً حاسمة. ولنأخذ عام 2025 مثالاً على ذلك، إذ لم تكن التحولات الكبرى في أنماط التجارة العالمية مدفوعة بمجرد أسعار الصرف فحسب، بل كانت ناتجة إلى حد كبير عن قيام الولايات المتحدة بفرض "تعريفات جمركية متبادلة" على شركائها التجاريين. وقد أدى هذا الإجراء إلى عكس اتجاه ساد طوال ثمانين عاماً تميز بتراجع التعريفات الجمركية منذ الحرب العالمية الثانية، دافعاً بمستويات التعريفات الأمريكية لتقترب من المستويات التي سُجلت خلال فترة "الكساد العظيم" (1929-1933). ومع تضاؤل ​​انفتاح السوق الأمريكية، ارتفعت بشكل ملحوظ تكاليف ومخاطر التصدير إلى الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، اتجهت العديد من الدول نحو الصين، التي تلتزم بمبادئ التعددية، وتدعم العولمة، وتحافظ على بيئة سوقية مستقرة، وتواصل مسيرتها في الإصلاح والانفتاح. ومن خلال خفض التعريفات الجمركية، وتسهيل الإجراءات التجارية، وتوسيع المنصات المتاحة، وتعزيز الضمانات، شاركت الصين شركاءها العالميين في خيرات سوقها الهائلة. ولا تزال الواردات القادمة من الصين تشهد نمواً مستمراً في مختلف البلدان، الأمر الذي يؤدي بدوره -عبر تعميق التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف- إلى زيادة تعزيز الثقة العالمية في السوق الصينية.

أما فيما يتعلق بمسألة ما إذا كانت الصين تمارس "التلاعب بأسعار الصرف"، فقد تشكّل بالفعل إجماع دولي واسع النطاق حول هذا الشأن. ففي عام 2019، وحينما حاولت وزارة الخزانة الأمريكية تصنيف الصين باعتبارها دولة "متلاعبة بالعملة"، صرّح صندوق النقد الدولي بأن سعر صرف الرنمينبي خلال عام 2018 كان متسقاً بشكل جوهري مع الأساسيات الاقتصادية، وأنه لم يكن هناك أي مبالغة واضحة في تقدير قيمته أو بخس لقيمتها. وقد جاء هذا التصريح بمثابة دحض مباشر لتلك الاتهامات. وفي السنوات الأخيرة، وكلما حققت الصين تقدماً اقتصادياً ملحوظاً، سارع البعض إلى محاولة التقليل من شأنه ووصفه بأنه "منافسة غير عادلة". وبناءً على هذا المنطق، هل يُعتبر الأداء التصديري الضعيف وحده هو الأداء "العادل"؟ إن هذا التناقض ليعكس الصعود المقلق لتيارات الحمائية التجارية.

لم يعتمد تطور الصين قط على "طرق مختصرة"، بل استند إلى العمل الدؤوب لشعبها. وفي ظل المسيرة الجديدة للخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، ستواصل الصين تحسين آلية تحديد سعر صرف الرنمينبي القائمة على قوى السوق، والمضي قدماً في سياسة الانفتاح رفيع المستوى، ومشاركة فرص التنمية مع دول العالم أجمع. ولن تنجح أي محاولة لتشويه سمعة الصين في تغيير حقيقة إسهاماتها العظيمة في الاقتصاد العالمي.

صور ساخنة