الصفحة الرئيسية >> التبادلات الدولية

جسور الذكريات... تأمّلات في سيرة الغربة العربية في الصين

جسور الذكريات... تأمّلات في سيرة الغربة العربية في الصين

منصور الخليدي، شاعر وكاتب يمني مقيم في الصين

في كتاب «مذكرات مغترب في الصين» لم أسعَ إلى كتابة يوميات غربة فحسب، بل إلى تقديم تجربة تُنصت للآخر وتحاوره باحترام، وتؤمن بأن التقارب بين الشعوب يبدأ من الاعتراف بجمال الاختلاف. فحين يلتقي العربي بالصيني في مساحة الثقافة، يصبح الشرق أكثر اتساعًا، وتغدو الإنسانية هي اللغة الأم التي تجمعنا.

لم تكن الغربة في الصين بالنسبة لي مجرّد انتقال جغرافي من فضاء عربي إلى فضاء آسيوي بعيد، بل كانت رحلة عميقة في اكتشاف الذات عبر الآخر، واختبارًا حيًّا لمعنى التفاعل الثقافي حين يتجاوز حدود اللغة والاختلافات الظاهرية. لقد قضيت في الصين ما يزيد عن عشرين سنة، خلال هذه السنوات تزوّجت من سيدة صينية، وأنجبنا ولدًا وبنتين، ما منح تجربتي بعدًا عائليًا وإنسانيًا أعمق، وجعل اندماجي في المجتمع الصيني أكثر غنى وواقعية.

من رحم هذه التجربة وُلد كتابي «مذكرات مغترب في الصين»، بوصفه شهادة إنسانية وأدبية على التقارب الخلّاق بين ثقافتين عريقتين: الثقافة العربية والثقافة الصينية.

منذ اللحظات الأولى للعيش في الصين، يتبدّى للمرء أن الاختلاف ليس حاجزًا، بل دعوة للفهم. فالقيم التي تحكم الحياة اليومية، مثل احترام الأسرة، وتقديس العلم، والانضباط، والعمل الدؤوب، ليست غريبة عن الوجدان العربي، بل تلتقي معه في جوهرها الإنساني. هذا التقارب الحياتي جعل الاندماج أكثر سلاسة، وحوّل الغربة من شعور بالبعد إلى حالة من الحوار الصامت بين تجربتين حضاريتين.

على المستوى الثقافي والأدبي، وجدتُ في الصين مساحة واسعة للتأمل في معنى الحضارة بوصفها تراكمًا إنسانيًا لا ينتمي إلى أمة واحدة. فالأدب الصيني، بحكمته العميقة وارتباطه بالطبيعة والإنسان، يذكّرنا بالتراث العربي في نزوعه الفلسفي والروحي، وفي قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى معنى كوني. ومن هنا، كان التفاعل الأدبي أحد أجمل وجوه هذه الرحلة، حيث يصبح الكاتب جسرًا ثقافيًا، لا ناقلًا عابرًا، وشاهدًا حيًّا على التلاقي لا على الاختلاف.

ويُقدَّم كتاب «مذكرات مغترب في الصين» بوصفه عملًا مطبوعًا ومنشورًا، ومشروعًا ثقافيًا متواصلًا، إذ سيكون عبارة عن سلسلة من الأجزاء المتتابعة التي ترصد تجربة الاغتراب والتفاعل الحضاري في الصين عبر مراحل مختلفة. ويركّز الكتاب، بشكل خاص، على مظاهر التقارب التي يعيشها العرب في الصين، في حياتهم اليومية ومساراتهم العملية والأكاديمية والثقافية، مبرزًا النجاحات التي تحققت في هذا التقارب، وما أفرزه من علاقات قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.

وفي الوقت ذاته، يوسّع الكتاب دائرة الرصد لتشمل تجارب الأجانب عمومًا، بوصفها جزءًا من المشهد الإنساني المتنوّع في المجتمع الصيني المعاصر. كما يتناول نماذج التقارب الصينية الناجحة في الانفتاح والتفاعل مع الآخر، مبرزًا كيف أسهم هذا النهج في بناء بيئة إيجابية تحتضن التنوّع، وتعزّز الشراكة الثقافية، وتقدّم نموذجًا عمليًا للتقارب الحضاري في عالم متعدد الثقافات.

أما في المجال الأكاديمي والعملي، فقد أظهرت التجربة الصينية نموذجًا ملهمًا في الربط بين المعرفة والتطبيق، وبين البحث العلمي وخدمة المجتمع. وهو نموذج يفتح آفاقًا واسعة للتعاون العربي–الصيني، ليس فقط على مستوى الاقتصاد أو السياسة، بل في بناء إنسان يؤمن بأن التقدّم مسؤولية مشتركة، وأن العلم والعمل والانضباط قيم إنسانية عابرة للحدود.

إن العلاقات العربية–الصينية الثقافية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد تاريخي لطريق الحرير، حيث كانت القوافل تحمل البضائع كما تحمل الأفكار، وكانت المدن محطات للتبادل لا للصدام. واليوم، في ظل عالم تتسارع فيه التحولات، تبرز الحاجة إلى إحياء هذا البعد الثقافي والإنساني في العلاقات بين الجانبين، ليكون أساسًا متينًا لفهم أعمق، وشراكة أكثر استدامة.

في كتاب «مذكرات مغترب في الصين» لم أسعَ إلى كتابة يوميات غربة فحسب، بل إلى تقديم تجربة تُنصت للآخر وتحاوره باحترام، وتؤمن بأن التقارب بين الشعوب يبدأ من الاعتراف بجمال الاختلاف. فحين يلتقي العربي بالصيني في مساحة الثقافة، يصبح الشرق أكثر اتساعًا، وتغدو الإنسانية هي اللغة الأم التي تجمعنا.

صور ساخنة