الصفحة الرئيسية >> العالم العربي

تقرير سنوي: السودان في 2025: عام انقلاب الموازين وتعثر السلام وتفاقم الكارثة الإنسانية

/مصدر: شينخوا/   2025:12:30.09:29

الخرطوم 29 ديسمبر 2025 (شينخوا) شكل عام 2025 أحد أكثر الأعوام مفصلية في تاريخ الصراع السوداني، إذ شهد تحولات عميقة في خريطة السيطرة العسكرية، ومحاولات إقليمية ودولية مكثفة لوقف الحرب، مقابل استمرار الأزمة الإنسانية التي ما تزال توُصف بأنها الأكبر عالميا.

ويمكن قراءة مجريات العام عبر ثلاثة محاور رئيسية: الميدان العسكري، مبادرات التسوية السلمية، والوضع الإنساني.

-- أولا: تغير خريطة السيطرة العسكرية

دخل الصراع في عام 2025 مرحلة جديدة اتسمت بوضوح مناطق النفوذ، بعد عامين من حرب اتسمت بالكر والفر.

وشهد النصف الأول من العام، تقدما نوعيا للجيش السوداني، ففي يناير 2025 استعاد الجيش السوداني السيطرة على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في خطوة اعتُبرت تحولا استراتيجيا أعاد له مركزا اقتصاديا وسكانيا بالغ الأهمية.

وفي مارس، واصل الجيش تقدمه باستعادة القصر الرئاسي، ومطار الخرطوم، وعدد من المقار الحكومية السيادية.

وتُوّج هذا المسار بإعلان رسمي في مايو 2025 عن خلو ولاية الخرطوم من قوات الدعم السريع، بعد أكثر من عامين من سيطرتها على معظم الولاية.

ويرى الخبير العسكري السوداني عبد الجليل إسماعيل أن "ما جرى في النصف الأول من العام مثل ذروة الأداء العسكري للجيش منذ اندلاع الحرب، حيث نجح في استعادة رمزية الدولة ومراكزها السيادية، ما منحه تفوقا سياسيا ومعنويا مؤقتا".

وأضاف في تصريح لوكالة أنباء ((شينخوا)) " لكن هذا التفوق لم يكن كافيا لحسم الصراع عسكريا، لافتقار العمليات إلى غطاء سياسي متماسك واستراتيجية شاملة لإدارة ما بعد السيطرة".

وتابع "أن غياب الترتيبات السياسية والإدارية أتاح لقوات الدعم السريع إعادة تنظيم صفوفها ونقل المعركة إلى مسارح جديدة، خصوصا في غرب البلاد"، محذرا من أن استمرار هذا النمط من القتال "سيُبقي ميزان القوى متقلبا، ويُطيل أمد الصراع دون تحقيق حسم نهائي".

ولكن النصف الثاني من العام شهد انقلابا فى الموازين لصالح الدعم السريع، فمنذ يونيو 2025، بدأت قوات الدعم السريع تقدما واسعا في إقليمي كردفان ودارفور.

وفي 26 أكتوبر سيطرت على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد معارك وُصفت بالطاحنة وحصار استمر أكثر من عام.

ثم واصلت توسعها بالسيطرة على مدينة بابنوسة الاستراتيجية بولاية غرب كردفان في 2 ديسمبر، قبل أن تعلن في 8 ديسمبر السيطرة على أكبر حقل نفطي في منطقة هجليج بولاية جنوب كردفان.

ووفقا للتطورات العسكرية الأخيرة، فقد تغيرت خريطة السيطرة العسكرية، ويسيطر الجيش السوداني على ولايات الشرق والشمال والوسط وأجزاء من الوسط الجنوبي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع علي غالبية الولايات الغربية (إقليم دارفور) وأجزاء واسعة من إقليم كردفان.

ومن جملة 18 ولاية، يسيطر الجيش السوداني على 10 ولايات، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على 6 ولايات (ولايات دارفور الخمس، وولاية غرب كردفان)، بينما يتنازع الجانبان علي السيطرة على ولايتي شمال وجنوب كردفان.

وقال المحلل السوداني في شؤون النزاعات ناجي عجيب "إن نهاية 2025 كرّست واقعا جغرافيا جديدا، حيث بات غرب السودان شبه خاضع لسيطرة الدعم السريع، مقابل احتفاظ الجيش بمناطق الوسط والشرق، ما ينذر بانقسام فعلي طويل الأمد".

وأضاف عجيب لـ ((شينخوا)) أن "هذا الواقع الميداني الجديد لا يعبر فقط عن تقدم عسكري، بل يؤسس لتوازنات سياسية وأمنية مختلفة، قد تتحول مع مرور الوقت إلى خطوط تماس دائمة إذا لم تُدفع عملية سياسية شاملة تعالج جذور الصراع"، مشيرا إلى أن "استمرار السيطرة المنفصلة على الأقاليم يعمق الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، ويزيد من صعوبة إعادة توحيد مؤسسات الدولة، ما يجعل خطر التفكك أو التقسيم غير المعلن أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة".

تميز العام أيضا بتصاعد غير مسبوق لاستخدام الطائرات المسيرة من الطرفين، وفي مايو وصلت الهجمات لأول مرة إلى بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة للجيش، بينما تعرضت الخرطوم مرارا لاستهداف منشآت حيوية ومقار عسكرية ومحطات كهرباء، إضافة إلى هجمات على ولايات الجزيرة، والنيل الأزرق، والشمالية ونهر النيل.

-- ثانيًا: مبادرات الحل السلمي...دبلوماسية نشطة ونتائج مؤجلة

بالتوازي مع التصعيد العسكري، نشطت المساعي السياسية والإقليمية لاحتواء الحرب، دون أن تنجح في تحقيق اختراق فعلي.

وبرزت الرباعية الدولية بشأن السودان (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) كأهم إطار دبلوماسي خلال العام.

وفي 13 سبتمبر 2025 أصدرت الدول الأربع بيانا مشتركا عقب مشاورات وزارية مكثفة في واشنطن، أعقبها عقد اجتماعات في أكتوبر بحضور وفدين من الجيش والدعم السريع، تم خلالها طرح خريطة طريق بثلاث مراحل: هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، وقف إطلاق نار طويل الأمد بضمانات إقليمية ودولية، وعملية انتقالية تقود إلى حكومة مدنية مستقلة خلال تسعة أشهر.

ورغم التوافق على بنود خريطة الطريق ، لم يبدأ تنفيذ أي من بنود الخريطة حتى الآن.

ويقول الخبير في مجال العلاقات الدولية حسام الدين الصادق، إن "الرباعية نجحت في بلورة إطار متكامل للحل، لكنها فشلت في فرض آليات إلزام، خاصة مع تضارب المصالح الإقليمية وغياب الثقة بين الأطراف السودانية".

وأضاف لـ((شينخوا)) "أن غياب أدوات الضغط الفعالة، سواء عبر العقوبات المنسقة أو الضمانات الأمنية الملزمة، حّول مبادرات الرباعية إلى مسارات دبلوماسية مفتوحة بلا سقف زمني"، معتبرا أن "استعادة الثقة تتطلب أولا توافقا إقليميا حقيقيا حول أولوية وقف الحرب، ثم إشراك القوى المدنية السودانية بصورة أوسع، حتى لا تبقى التسوية رهينة لتفاهمات عسكرية هشة قابلة للانهيار في أي لحظة".

زاد المشهد تعقيدا توقيع قوات الدعم السريع وكيانات سياسية وعسكرية في 22 فبراير 2025 على ميثاق في نيروبي لتشكيل حكومة موازية.

وفي المقابل، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مايو مرسوما بتعيين كامل إدريس رئيسا للوزراء، الذي بدأ لاحقا في 3 يوليو تشكيل حكومة من 22 وزارة.

وفي 26 يوليو أعلن تحالف بقيادة الدعم السريع تشكيل حكومة موازية برئاسة محمد حسن التعايشي، وهو ما نددت به الحكومة الرسمية ودعت العالم لعدم الاعتراف به.

ويرى المحلل السياسي السوداني عبد الرحيم السنى، أن "وجود حكومتين متوازيتين يعمق الانقسام، ويحوّل الصراع من حرب نفوذ إلى أزمة شرعية تهدد وحدة الدولة".

وأضاف السني لـ ((شينخوا)) "أن تعدد مراكز السلطة يربك مؤسسات الدولة المتبقية ويقوض أي محاولة لبناء إدارة مدنية مستقرة، كما يفتح الباب أمام اعترافات خارجية متباينة تزيد من حدة الاستقطاب"، محذرا من أن "استمرار هذا الوضع قد يقود إلى تكريس أمر واقع سياسي يصعب تفكيكه لاحقا، ويجعل مسألة الحفاظ على وحدة السودان مرهونة بتسوية شاملة تعيد توحيد الشرعية قبل إعادة توحيد الجغرافيا".

-- ثالثا: الأزمة الإنسانية...السودان في صدارة المآسي العالمية

إذا كان الميدان والسياسة قد شهدا شدا وجذبا، فإن الوضع الإنساني واصل التأرجح ما بين تحسن نسبي في بعض المناطق، وتدهور مستمر في مناطق أخري ولاسيما في إقليمي كردفان ودارفور.

وأشار أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر في 5 نوفمبر 2025 إلى تحسن طفيف في مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول سبتمبر 2025، حيث انخفض عدد المتأثرين إلى نحو 21.2 مليون شخص (45% من السكان)، بخروج 3.4 مليون شخص من مرحلة الأزمة مقارنة بالفترة السابقة.

وارتبط هذا التحسن النسبي بالاستقرار الأمني الجزئي منذ مايو 2025 في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، ما سمح بعودة تدريجية للأسر، إذ بدأ أكثر من 2.45 مليون نازح داخلياً رحلة عودتهم إلى ديارهم، وعاد نحو 580 ألف لاجئ من الدول المجاورة، كما توقع التقرير أن يسهم موسم الحصاد الجيد في خفض أعداد المتأثرين إلى 19.3 مليون شخص خلال الفترة من أكتوبر 2025 إلى يناير 2026.

غير أن هذه المكاسب تظل هشة ومحدودة جغرافيا، فالأزمة الشاملة دمرت الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات الأساسية، كما أن كثيرا من الأسر العائدة فقدت وسائل الإنتاج، مما يقلل قدرتها على الاستفادة من الحصاد، ورجح التقرير أن يتفاقم الجوع مجددا اعتبارا من فبراير 2026.

في المقابل، شهد إقليما دارفور وكردفان تدهورا حادا، حيث تم تأكيد ظروف المجاعة (المرحلة الخامسة) في مدينتي الفاشر وكادوقلي المحاصرتين، بعد تجاوز عتبات استهلاك الغذاء وسوء التغذية والوفيات.

كما حذر التقرير من خطر المجاعة في 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان، تشمل مناطق ريفية ومخيمات نازحين، ما يعكس صورة إنسانية متأرجحة مع تحسّن نسبي في الوسط والشرق، يقابله انهيار حاد ومتسارع في الغرب والجنوب.

وتصدر السودان للعام الثالث على التوالي قائمة مراقبة الأزمات الإنسانية العالمية الصادرة عن لجنة الإنقاذ الدولية هذا الشهر، في ظل نزوح نحو 12 مليون شخص، وسط نقص حاد في التمويل الإنساني وتعرض المدنيين للعنف والنهب والانتهاكات.

ويؤكد الخبير في المجال الإنساني السمانى حمزة أن "ما يجري في السودان تجاوز حدود الطوارئ التقليدية، وأصبح انهيارا شاملا لمقومات الحياة، مع عجز دولي واضح عن مواكبة حجم الكارثة".

وأضاف لـ((شينخوا)) "أن تآكل سبل العيش، وانهيار الخدمات الأساسية من صحة ومياه وتعليم، حوّل ملايين السودانيين من متضررين مؤقتين إلى فئات تعيش في هشاشة مزمنة"، مشيرا إلى أن "الاستجابة الإنسانية الحالية تظل دون الحد الأدنى المطلوب، سواء من حيث التمويل أو الوصول الآمن، ما ينذر بتفاقم معدلات الجوع والأمراض والنزوح، ما لم يُربط العمل الإغاثي بوقف فعلي لإطلاق النار وضمانات لحماية المدنيين".

وبالتالي يمكن القول إن عام 2025 كان عاما لترسيخ الوقائع أكثر من كونه عاما للحلول، تغيرت فيه خريطة السيطرة العسكرية بصورة حادة، وتعززت مساعي السلام دون نتائج ملموسة، بينما تواصلت المأساة الإنسانية.

ومع دخول السودان عاما جديدا، يبقى السؤال مفتوحا: هل تكون هذه التحولات مقدمة لتسوية شاملة، أم بداية لمرحلة أطول من الانقسام والمعاناة؟ /نهاية الخبر/

صور ساخنة