مثل قرار البيت الأبيض بفرض "رسوم جمركية متبادلة" على الشركاء التجاريين الصدمة الأقوى والأوسع تأثيرا ضمن السياسات الجمركية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية الحالية. وأشار تقرير لشبكة "سي إن إن"، إلى أن البيت الأبيض يسعى من خلال هذه الرسوم إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الشركاء التجاريين، لكنّه نبّه إلى أن المستهلكين الأميركيين قد يصبحون الأكثر تضررًا. وتوقع التقرير أن يؤدي هذا الإجراء إلى ارتفاع تكاليف السلع المنزلية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، مما سيفاقم من الأوضاع المالية للأميركيين، في وقت تتراجع فيه ثقة المستهلك الأميركي بشكل مستمر.
ووفقًا لتقديرات مختبر الميزانية بجامعة ييل، فإن فرض "التعريفات الجمركية المتبادلة" سيؤدي إلى ارتفاع مستوى الإنفاق الاستهلاكي الشخصي في الولايات المتحدة بنسبة 1.7% على المدى القصير، مع تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمقدار 0.6 نقطة مئوية خلال عام 2025، وذلك في حال عدم اتخاذ الدول الأخرى إجراءات انتقامية. أما إذا ردت هذه الدول بتعريفات مماثلة، فإن معدل ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الشخصي قد يصل إلى 2.1%، بينما سينخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو نقطة مئوية كاملة.
وأشار تقرير صادر عن مؤسسة "غولدمان ساكس" إلى أن السياسات الجمركية التي تتبعها واشنطن تمارس تأثيرا كبيرا على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، مما يرفع من احتمالات حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة إلى 35%، مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت عند 20%.
وقد قوبلت هذه الإجراءات بانتقادات واسعة من عدّة أطراف دولية، حيث انتقد المستشار الألماني أولاف شولتز علنًا الولايات المتحدة، معتبرًا أن فرض الرسوم الجمركية يهدد نظام التجارة الحرة العالمي. وقال شولتز إن التجارة الحرة تمثل حجر الزاوية للازدهار الاقتصادي، وأن السياسات الحمائية التي تتبعها واشنطن قد تمثل تحديا قاسيا للتعافي العالمي. مشدّدا على أن استمرار فرض الرسوم الجمركية من قبل الولايات المتحدة من شأنه أن يزيد من حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وهو ما لا يعد "علامة جيدة" بالنسبة لمعظم الشركات.
في ذات السياق، صرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بأن السياسة التجارية الأميركية تفتقر إلى "القدرة على التنبؤ". وأضافت قائلة: "لم يسبق قط أن تكررت كلمة "عدم اليقين" على مسامعي مثلما حدث خلال الأسابيع الأخيرة."
وفي خطوة أثارت مزيدًا من الجدل، أصدر البيت الأبيض مؤخرًا أمرًا تنفيذيًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السيارات المستوردة، اعتبارًا من 3 أبريل الجاري. وقد لقي هذا القرار انتقادات حادة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وصرّح جون مورفي، نائب الرئيس الأول للسياسة الدولية في غرفة التجارة الأميركية، بأن هذه الرسوم "لن تخدم صناعة السيارات الأميركية، بل ستضر بها"، محذرًا من أنها قد تؤدي إلى فقدان العديد من الوظائف في هذه الصناعة.
بدورها، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن "أسفها الشديد" إزاء القرار الأميركي، مؤكدة أن صناعة السيارات تلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز الابتكار والقدرة التنافسية وتوفير فرص العمل. وأضافت أن سلاسل التوريد بين أوروبا والولايات المتحدة متكاملة بشكل عميق، وأن "الرسوم الجمركية ليست مضرّة فقط بالشركات، بل ستكون أسوأ على المستهلكين". وأكدت فون دير لاين على أن الاتحاد الأوروبي سيسعى لحل الخلافات التجارية من خلال الحوار، مع الحفاظ على مصالحه الاقتصادية.
وأصدرت رابطة موردي السيارات الأوروبية بيانًا اعتبرت فيه أن الإجراءات الأميركية تقوض الشراكة طويلة الأمد بين أوروبا والولايات المتحدة، كما تعرقل حركة السلع، وتؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار السيارات في نهاية المطاف.
أما في اليابان، فقد وصفت صحيفة "أساهي شيمبون" في افتتاحيتها فرض الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة بأنه قرار "غير مقبول". معتبرة أن هذا الإجراء يهدف إلى تقويض التجارة الحرة وتعزيز المصالح الاقتصادية الأميركية على حساب بقية الدول. كما حذرت الصحيفة من أن القرار الأميركي قد يخلف "أضرارا خطيرة" على الاقتصاد الياباني.
ومن جانبها أعربت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جيورجيفا، عن قلقها بشأن حالة عدم اليقين المحيطة بسياسة التعريفات الجمركية التي تنتهجها الولايات المتحدة. مشيرة إلى أن هذه السياسات قد تشكل مخاطر كبيرة على الأنشطة الاقتصادية العالمية وتؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي على المستوى العالمي. وقالت جيورجيفا في مقابلة إعلامية بتاريخ 31 مارس الماضي، إن البيانات الحديثة أظهرت تراجعا طفيفا في ثقة المستهلكين والمستثمرين، وهو ما قد يؤثر سلبا على آفاق النمو الاقتصادي العالمي في الفترة المقبلة.