غزة 2 يوليو/ بقلم عماد الدريملى / يرى مراقبون فلسطينيون أن الهدنة التى أعلنتها حركات المقاومة الفلسطينية تشكل نجاحا لحكومة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وخطوة نحو الاستقرار وإنهاء المواجهات الدامية علىالأرض.
وتعزز هذا القول مع الهدوء النسبي الكبير الذى بدأت تشهده الأراضى الفلسطينية، ومع بدء عمليات انتشار الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة وبيت لحم في الضفة الغربية.
ومنذ توليه منصبه رسميا في الأول من مايو الماضي، لم يتوقف عباس عن السعي إلى دفع الأمور في الأراضي الفلسطينية من خلال الحوار مع التنظيمات الفلسطينية باتجاه التهدئة لدرجة أن السلطة ظهرت وكأنها وسيط بين حركتا المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي والحكومة الإسرائيلية وذلك للمرة الأولى لإنجاح فرص التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.
ويرى مراقبون فلسطينيون أن "الهدنة تخدم حكومة محمود عباس لأنها توفر لها فرصة لوضع أساس سياسى موحد يحكم العمل الفلسطينى". وأضافوا أن الهدنة "تساعد على احترام قرارات الحكومة وتمنحها فرصة اكبر للعمل لتطبيق برنامجها الداخلي والتفرغ اكثر لبرنامجها الخارجي خصوصا العلاقات مع الإدارة الأمريكية".
وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن هذه الهدنة "تسحب الذرائع من يد ارييل شارون وتضعه أمام استحقاقاته إزاء عملية السلام وستشكل فرصة لتطبيق خارطة الطريق"، مشددا على أن "كل ذلك يصب في مصلحة حكومة عباس".
ولم تتوان حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون التي دعت باستمرار إلى تغيير القيادة الفلسطينية، في الضغط على عباس لدفعه لمواجهة المجموعات المسلحة التابعة لحركات حماس والجهاد وفتح. وقال مسؤولون فلسطينيون أن شارون أراد من هذه الدعوة إدخال المجتمع الفلسطيني في حرب أهلية وهو ما كان مرفوضا تماما من حكومة أبو مازن التي طلبت تدخل الدول العربية لمساعدتها في تليين مواقف التنظيمات.
وازداد الدفع باتجاه الوصول إلى هدنة في أعقاب محاولة الاغتيال الفاشلة لعبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حركة حماس، وفقدان الأمل في أية تهدئة أو هدنة. ويقول الكاتب والمحلل الفلسطيني داود سليمان أن استهداف الرنتيسي أحد قادة حماس في الوقت الذي باتت فيه الهدنة على وشك الإعلان كان مقصودا لتخريب فرص التوصل الى الهدنة، ودفع حماس للرد على عملية الاغتيال وإغراق المنطقة في الفعل ورد الفعل مجددا بهدف تعطيل خارطة الطريق".
وخشية أن يحدث ذلك تكثفت الجهود المصرية لاحتواء الموقف، وتزامن ذلك مع ما تردد من أنباء عن ضغوط مارستها كل من الأردن والسعودية إضافة إلى مصر على حماس للتهدئة والإعلان عن هدنة مع إسرائيل، إضافة إلى تدخل الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر وواضح في الدفع باتجاه التوصل إلى تلك الهدنة، وذلك للخروج من الجمود الذي يعتري عمليةالتسوية.
ولا تخفي حكومة شارون أن المطلوب من حكومة أبو مازن هو قمع حركات المقاومة الفلسطينية. فسيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي يرى أن علمية التسوية "لا يمكن أن تبقى رهينة مجموعة مسلحة متطرفة يجب تفكيكها"، وبالتالي الدخول معها في مواجهة لكسر شوكتها، وهو ما من شأنه أن يضعف الطرفين (السلطة الفلسطينية والمقاومة) بما يصب في خدمة إسرائيل على حد تقديرالمراقبين الفلسطينيين.
ومن هنا فإنه حتى بعد التوصل إلى هدنة واتفاق السلطة وحماس وحركات المقاومة الأخرى، فإن الجانب الإسرائيلي لن يقبل بأن يكون وقف العمل العسكري الفلسطيني هو نهاية المطاف، بل يجب أن يتبعه العمل على نزع سلاح تلك الحركات.لذا فإن الحكومة الإسرائيلية رأت بعد توصيات خبراء في الشؤون الفلسطينية أنه يجب عليها منح حكومة أبو مازن فترة من الوقت لإعادة بناء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. ورغم ان السلطة الفلسطينية لا تظهر أي توجه لسلوك هذا المنحى (مواجهة القوى الفلسطينية المسلحة) غير أنها تشدد على ضرورة الحفاظ على القانون العام وقرارات الحكومة، باعتبار أن هناك سلطة واحدة لا يجوز تجاوزها.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن الحفاظ على القانون وقرارات السلطة في المستقبل يحتاج إلى بناء جهاز أمني رادع يستطيع مواجهة أية محاولات للانقلاب على التنظيمات الفلسطينية المسلحة. وهو ما دفع رئيس الحكومة الفلسطينية الى ان يطلب من الدول المانحة معونة قدرها 400 مليون دولار لإعادة بناء قواتها وأجهزتها الأمنية.
وفي المقابل يعتبر إعلان الفصائل الفلسطينية عن تعليق عملياتها العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي في كافة المناطق الفلسطينية ليس أمرا جديدا في فكر تلك الحركات غير انه تطور غير مسبوق منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر من عام 2001.
ويكتسب وقف إعلان النار هذا أهمية خاصة بالنظر إلى موافقة حركتي حماس والجهاد الإسلامي عليه وهما اللتان كانتا تعارضان أي هدنة سابقة مع إسرائيل إلا بشروط قاسية. ويبدو ان الضغط الدولي والعربي وتغير الظروف الإقليمية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق جعل معظم الفصائل الفلسطينية تعيد النظر في استراتيجيتها تحسبا لانقلاب المجتمع الدولي بأكمله على برنامج الانتفاضة والمقاومة. لدرجة تغير موقف حماس وشروطها للهدنة وانخفض سقف الشروط الواجب تقديمها إسرائيليا لتنفيذ الهدنة.
ففي الوقت الذي كان يتم التشديد فيه على أن تنفيذ الهدنة مرتبط بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة ( الأراضي المحتلة في عام 1967) بشكل تام، وإطلاق سراح كافة المعتقلين الفلسطينيين، أصبح المحور الأساسى في الحديث عن الهدنة هو وقف الاغتيالات في صفوف كوادر الحركة وإلحاق قضايا أخرى مثل انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي أعادت احتلالها وإطلاق سراح معتقلين فلسطينيين. ويمكن إرجاع ذلك إلى أن المرحلة الحالية لم تعد تسمح للحركة بالمناورة وبات عليها تقديم بعض التنازلات، خصوصا بعد الضغوط السياسية الشديدة التي مورست عليها من قبل بعض الدول العربية، والإجراءات القاسية والضربات المتلاحقة التي قامت بها إسرائيل ضد حركة حماس والتي أثرت على الأجهزة العسكرية للحركة، ومن شأن عقد هدنة أن يمنح الحركة الفرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة تنظيم وترميم أجهزتها العسكرية، إضافة إلى تخليصها من الضغوط العربية.
ومن جهة أخرى تسعى حماس لفتح قنوات اتصال مع الدول العربية أو تقوية تلك القنوات، إذ عانت حماس من عزلة في علاقات الدول العربية معها، فقد كان يتم التعامل معها في الخفاء وفي مستويات تمثيل منخفض، ومن شأن فتح خطوط الاتصال السياسي بين الحركة وبعض الدول العربية أن يضع تلك الدول موضع مساءلة حول موقفها من عملية التسوية والسلطة الفلسطينية، لذا فان الحركة تجد في الهدنة فرصة لفتح قنوات الاتصال مع الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية.
وبالرغم من أهمية تلك الخطوة سياسيا بالنسبة لحركة حماس، فإنه يجب أن لا يغيب عنها أن الدافع وراء تلك التحركات العربية المكثفة هو تحسين علاقة تلك الدول مع الولايات المتحدة، وإنهاء حالة الجمود التي تسود عملية التسوية التي وضعت جميع الأطراف في المنطقة أمام مأزق بات الخروج منه يزداد صعوبة مع اشتداد حدة حرب التحرير الفلسطينية.
ويقول مسؤولون فلسطينيون ممن شاركوا في حوار الهدنة أن إسرائيل نجحت في إفراغ الهدنة من مضمونها، بعد رفضها الالتزام بها، وبالتالي سيظل تنفيذها رهنا بالواقع السياسي الهش الذي يسود العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية. واختار أحدهم التعبير عما يجول في خاطر حماس حيث قال، "تدرك حماس أن الهدنة ليست سوى اقتراح وطريقة لحماية رأسها، تريد أن تحني رأسها للعاصفة، لكنها غير واثقة تماما من الخطوة التالية".
ويرى المراقبون أنه مهما تعددت أسباب كل طرف لقبوله بالهدنة وبغض النظر عن تفاصيلها، فسيظل الوقت هو سيد الموقف، وسيصبح تجدد القتال مرتبطا بإشارة حتى تعود الأطراف لتلتقي على خلاف آخر يتراكم فوق قاع بئر من الخراب لا يستدل له على نهاية.
غزة 2 يوليو/ بقلم عماد الدريملى / يرى مراقبون فلسطينيون أن الهدنة التى أعلنتها حركات المقاومة الفلسطينية تشكل نجاحا لحكومة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وخطوة نحو الاستقرار وإنهاء المواجهات الدامية علىالأرض.